الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الشريعة بين الوحدة والاختلاف





تاريخ النشر: 2020-01-13 17:44:00

عدد القراءات: 560


حديث الاثنين :

الشريعة بين الوحدة والاختلاف


عصام أحميدان الحسني



إن الخط الرسالي حدد وظيفته الأساسية في (التنوير) وهي وظيفة ناضل من أجلها الأنبياء والأوصياء وأصحاب المبادئ النبيلة (إخراج الناس من الظلمات إلى النور) ، وفي كثير من الأحيان لا نستطيع معرفة الأشياء إلا بأضدادها ، فلا يعرف النور إلا من عرف الظلام ، تماما كما يعرف البعض العلم بعدم الجهل ، ولا يعرف حقيقة العلم إلا من عرف الجهل .
بناء على ما سبق ، فإن أولى خطوات التنوير تكمن في تشخيص معالم الظلام وتفكيك عناصره وزرع عناصر النور في فضاءاته ..وقد اخترت أن أتحدث في هذا الأسبوع عن قضية شائكة وتثير جدلا دائما بين "الإسلاميين" و"العلمانيين" ألا وهي قضية "الشريعة" .
1-الشريعة والمجتمع : تطور تاريخي :
في البداية لابد من أن نتوافق على مقدمة ضرورية وهي : أن الشريعة لم ترافق البشرية منذ انطلاقتها وأنها جاءت بناء على متطلبات اجتماعية ولغاية التدخل لحسم النزاع والاختلاف الذي ساد المجتمعات في مرحلة لاحقة ..ولا يعني ذلك أن الوجود النبوي لم يكن ملازما للحياة البشرية ، لكن ليس بالضرورة أن يكون كل نبي صاحب شريعة ، فمثلا آدم ونوحا عليهما السلام لم يكونا أصحاب شريعة ، وهذا ما يسميه القرآن الكريم بمرحلة "القرون الأولى" التي سبقت حركة الشريعة .
إنني أنطلق من هذه المقدمة الأساسية من القرآن الكريم الذي نص صراحة على ذلك حيث قال الله تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) ( البقرة ، 213) .
من خلال تدبر بسيط لهذه الآية الكريمة نجد أن الله تعالى يشير إلى كون الشريعة إنما أتت بعد مرحلة الاختلاف وهي المسبوقة بمرحلة الوحدة :
أ-مرحلة الوحدة : كان الناس أمة واحدة ..
ب-مرحلة الاختلاف: فيما اختلفوا فيه..
ج-مرحلة الشريعة: فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه..
قد يقول البعض إن الله بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين منذ آدم عليه السلام ، لكن هؤلاء لم يلتفتوا إلى تمام الآية وقرأوا القرآن بطريقة (ويل للمصلين) ، فالله تعالى لا يشير إلى الأنبياء بصفتهم النبوية فقط وإنما يشير إلى ما هو أهم وهو "وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) ، وعليه فإن الكتاب الذي هو الشريعة جاء ضمن مرحلة ثالثة من حياة البشر ، وضمن حاجة مجتمعية للوحدة وكمرجعية للناس عندما حصل الاختلاف بينهم .
وقد يعترض أخرون على هذا الطرح فيقولون مثلا : إن الله تعالى أشار إلى وقوع الاختلاف بين الناس بعد أن أبلغهم وأقام عليهم الحجج والبينات بدليل الشطر الثاني من الآية الذي يقول فيه تعالى (َمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) ، وأقول لهؤلاء أيضا إن الله تعالى بالقطع واليقين أشار إلى وحدة الناس وعدم اختلافهم في بدء الأمر وهذا القدر متيقن ولا خلاف حوله ، وأشار إلى أن الكتاب جاء ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، فلا يعقل أن يكون الكتاب جاء ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه من الكتاب فهذا دور وحلقة مغلقة ، إذ لو اختلفوا فيه فإنه لا يصلح أن يكون حجة عليهم ، كما أن الآية تحدثت عن الاختلاف الأول والثاني ، فالاختلاف الأول هو ما جاء لمعالجته (الكتاب=الشريعة) وأما الاختلاف الثاني هو ذلك الذي حدث بعد نزول الكتاب نفسه حيث اختلفوا في الكتاب ، والدليل على ذلك عدة آيات كريمات منها على سبيل المثال : (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) ( البقرة ، 176) وقوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ﴿110 هود﴾ .
انطلاقا مما ذكر فإن البشرية التي كانت في طور الوحدة ثم دخلت في طور الاختلاف ما قبل الشريعة انفتحت على مرحلة الشريعة ثم حدث الاختلاف في الشريعة نفسها بسبب المطامع الدنيوية ، فأيد الله الحقيقة بالبينات والحجج ، وترك أمر حساب الناس عليه وحده يوم القيامة بدلالة قوله تعالى (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) ﴿٥٥ آل عمران﴾ وأيضا قوله (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) ﴿٤٨ المائدة﴾ .
فالمجتمع الأول البشري كان فطريا موحدا دون وجود شريعة ، وما أتت الشريعة إلا لتعيد للمجتمع وحدته التي فقدها بسبب أنانية الإنسان وصراع المصالح التي احتدمت بعد تطور نمط العيش ، لكن الإنسان بطبيعته الأنانية تلك عمل على تحريف الشريعة نفسها بما تنسجم فيه مع مصالحه وأهوائه ، فاحتاج الأمر إلى بعثة العديد من الرسل متسلحين بالمعرفة والقدرات غير العادية ، لكن الاختلاف سيبقى ما بقي النوع الإنساني على هذه الأرض ، ليبقى الحكم النهائي في يوم القيامة ، لأن لا أحد يستطيع أن يحاكم الناس على معتقداتهم ونواياهم إلا الله سبحانه وتعالى فهو المرجع الأعلى وهو الذي سيفصل بين المختلفين في يوم العرض على محكمة العدل الإلهية .
(يتبع)







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق