الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


تاريخ الحركة الإسلامية في الجزائر





تاريخ النشر: 2019-05-11 13:31:00

عدد القراءات: 10


تاريخ الحركة الإسلامية في الحزائر



مخاوف كثيرة طفت على السطح عقب نجاح احتجاجات الجزائر في إجبار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على الاستقالة من منصبه. أحد هذه المخاوف التي لا يمكن تجاهلها، الخوف من الإسلاميين ومن تفاعلهم مع الحراك، مما قد يكون وسيلة لتقييد الحراك، أو ذريعة لانقضاض الجيش عليه.
ولعل إدراك إسلاميي الجزائر تلك المعضلة هو ما دفعهم للرجوع خطوة للوراء حفاظًا على الثورة وأملًا في نجاحها، لكن أما وأن الثورة قد نجحت – على الأقل في مطلبها الرئيسي بتنحية الرئيس بوتفليقة- فما خطة الإسلاميين للمرحلة المقبلة، وما تنظيماتهم؟
خضعت الجزائر للاحتلال الفرنسي عام 1830، بعدما كانت تحت سلطة الدولة العثمانية. عمل الفرنسيون على فرنسة المجتمع الجزائري بصورة كاملة، منتهجين سياسة الاستيطان والتغريب، معتبرين البلاد جزءًا من فرنسا.

كرد فعل على هذا الوضع، سعى الجزائريون إلى مقاومة المحتل عبر التمسك بهويتهم الإسلامية، فصُبغت المقاومة بصبغة إسلامية، وعلى رأسها حركة الأمير عبدالقادر الجزائري، التي تُعتبر أول حركة مقاومة مسلحة ضد الوجود الفرنسي، واستمرت خلال الفترة 1830 – 1847. وبالرغم من أنَّها لم تدم كثيرًا فإنَّها مهدت الطريق لحركات أخرى، وصلت في نهايتها إلى الثورة الشاملة ضد المستعمر الفرنسي.
ظهرت آثار الحركة الإسلامية في الميدان السياسي، وانتهجت فعل المقاومة السلمية بعد الحرب العالمية الأولى، مع حركة الأمير خالد الهاشمي حفيد الأمير عبدالقادر. ودخل الهاشمي معترك الانتخابات المحلية في ديسمبر/ كانون الأول 1919، وتمكن من الفوز على خصومه السياسيين من دعاة التجنس والاندماج والتغريب. طالب الحكومة الفرنسية بتطبيق «مبادئ ويلسون» على الجزائر وإعطاء أبنائها حق تقرير المصير، وأنشأ جريدة سماها «الإقدام»، طالب فيها بضرورة إصلاح الأحوال في الجزائر على أساس مبدأ المساواة بين الفرنسيين والجزائريين وإلغاء القوانين الاستثنائية والسماح للجزائريين بدخول مجلس النواب الفرنسي.
وفي هذه الأثناء، بدأت الحركات الإسلامية الإصلاحية تظهر بصورة أكثر وضوحًا؛ أسس الشيخ عبدالحميد بن باديس مكتبًا للتعليم الابتدائي العربي عام 1926، انبثقت عنه في عام 1930 مدرسة «جمعية التربية والتعليم الإسلامية»، وسرعان ما أصبح لها عشرات الفروع في مختلف مناطق الجزائر.
وفي عام 1931م، خرجت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى النور، برئاسة ابن باديس، ونائبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بهدف المحافظة على الثقافة العربية الإسلامية للجزائر ضد مساعي طمس الهوية، وكان شعارها «الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا»، وكان من أهم أهداف الجمعية «التعليم والتربية، وتطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإحياء الثقافة العربية ونشرها، والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية، ومقاومة سياسة الاحتلال الرامية إلى القضاء عليها».
أعلنت الجمعية تأييدها الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، ببيان أصدرته في اليوم الثاني لاندلاعها بعنوان «مبادئ الثورة في الجزائر»، وحمل توقيع رئيس الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي ومندوبها الشيخ الفضيل الورتلاني، بينما أصدر الورتلاني بيانًا في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، بعنوان «إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر: اليوم حياة أو موت، بقاء أو فناء»، ثم توالت البيانات من الجمعية لتأييد الثوار وشحذ هممهم، وأصدر مكتب القاهرة بيانًا في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، بعنوان «نعيذكم بالله أن تتراجعوا»، خاطب فيه الجزائريين ودعاهم إلى اللحاق بركب الثورة والعمل على طرد المحتل من البلاد، وأفتى الشيخ العربي التبسي – نائب رئيس الجمعية- بأنَّه «لا يجوز لأي مسلم بدون عذر أن يتخلف عن الجهاد».
ومن ذلك يتضح أنَّ الحركة الإسلامية لعبت دورًا مهمًا في الثورة الجزائرية التي اتسمت بالروح الجهادية، حيث أطلق على الجندي المقاتل في جيش التحرير الوطني لقب «مجاهد» – ولا يزال إلى الآن يفخر قدامى ضباط الجيش بأنهم من المجاهدين. وكان الفرد مطالبًا بسلوك إسلامي قويم على المستويين العام والخاص، وظهر ذلك في بيان أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 الذي فجر الثورة؛ حيث أكد أنَّ الاستقلال الوطني يهدف إلى إحياء الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
الحركة الإسلامية تحت الأرض :
بعد الاستقلال ظهرت الخلافات بين رموز العمل الإسلامي والسلطة الحاكمة حول شكل الدولة وطبيعتها، واستخدمت السلطة أساليب الترغيب والترهيب مع الرموز الإسلامية، خلال الستينيات والسبعينيات. عملت الحركات الإسلامية على تشييد المساجد، لتكون مراكز دعوة وانطلاق لها، وشهدت هذه الفترة ازدهارًا مكبوتًا فاتسمت بالعمل السري.
ومنذ 1966، بدأ تحت رعاية المفكر الإسلامي مالك بن نبي، تنظيم أول ملتقى للفكر الإسلامي «مركز التوجيه الثقافي». افتُتح أول مسجد في جامعة جزائرية في سبتمبر/ أيلول 1968، وبدأ الظهور الأول للحجاب في الجامعة عام 1969.
عام 1970، بادرت الدولة بحملة إسلامية بقيادة وزير الشؤون الدينية والتعليم، استنكرت من خلالها «انحطاط الأخلاق» والتأثير الغربي وراء الانفتاحية، والأعمال الرذيلة التي نقلها الغرب الفرنسي إلى الجزائر. واستطاع الإسلاميون استغلال هذه الحملة لزيادة نفوذهم الخاص، حاصلين على الأموال من مساهمات الأعضاء وبعض أهل الخير، لنشر الرسالة التي يمكن أن تجتذب معظم شرائح المجتمع وخاصة الفقيرة منها.
ومن أبرز الحركات التي ظهرت خلال هذه الفترة «جماعة مسجد الطلبة»، التي ستعرف فيما بعد باسم «جماعة البناء الحضاري»، بقيادة الدكتور محمد بوجلخة ثم الشيخ محمد السعيد. وطورت الجماعة تجربتها الخاصة منذ بداية نشأتها، متبنية مبدأ الاستقلالية التنظيمية والفكرية. حتى بعدما تأثر بعض قيادات العمل الإسلامي في الجزائر بتجربة الإخوان المسلمين في مصر، عارضت قيادات البناء الحضاري هذا الأمر. ومن اللافت أنَّ الجماعة اعتبرت جمعية العلماء المسلمين ومالك بن نبي مرجعية لها، وهي مرجعية مزدوجة ميزت الجماعة بالانفتاح والاقتباس من العلماء من كل الاتجاهات.
بعدها وُلِدت جماعة الشرق أو جماعة جاب الله في 1976. وتبنت الجماعة أفكار الإخوان المسلمين، كانت تسعى لتكون الممثل للتنظيم في الجزائر. وجاءت المراجعة الشاملة لمنطلقات العمل وبعض مفردات الخط الفكري عام 1986، عقب اختيار جماعة الإخوان المسلمين محفوظ نحناح مراقبًا للإخوان في الجزائر وممثلها في التنظيم الدولي، وبدأت جماعة الشرق في العودة إلى الحركة الإصلاحية الجزائرية، من خلال تنظيم محاضرة عن الإمام عبدالحميد باديس، بعد تباعد تراث الحركة الإصلاحية وجماعة الشرق، منذ تأسيسها.
إرهاصات العمل الإسلامي العلني
شكلت مناقشات الميثاق الوطني في 1976م، وما سبقها من قانون الثروة الزراعية وقانون الأسرة، أول محطة سياسية في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة في جزائر ما بعد الاستقلال، واختلفت الرؤى بين مكوناتها في الموقف؛ حيث فضل محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني ومن معهما أسلوب المعارضة العلنية وإصدار بيان «إلى أين يا بومدين؟» الذي حمل توقيع «الموحدون»، والذي هو أقرب إلى تنظيم فرضه البيان من كونه تنظيمًا موجودًا على أرض الواقع، ذلك أنَّ البيان احتاج إلى توقيع لينسب إلى جهة ما.
ولم يستمر الموحدون، إذ سرعان ما اعتقل أبرز عناصرهم وعلى رأسهم الشيخ محفوظ نحناح الذي حكم عليه بالسجن 15 سنة، والشيخ محمد بوسليماني، وكانت التهم تتراوح بين الإخلال بالأمن العام ومحاولة التدبير للانقلاب وتكوين جماعة محظورة.
ويُعتبر هذا التنظيم بقيادة محفوظ نحناح، السلف التاريخي لما سُمي بعد ذلك بـ«الإخوان الدوليين» وما انبثق عنه من كيانات تهتم بالنشاط الاجتماعي والخيري متمثلة في «جمعية الإرشاد والإصلاح» أو بالعمل السياسي متمثلة في «حركة المجتمع الإسلامي». وكان نحناح قد سافر إلى مصر عام 1974، ثم إلى السعودية عام 1976، وخلال هذه الرحلة التقى العديد من قيادات الإخوان الخارجين حديثًا من السجون، وبايع التنظيم الأم على أن يكون المراقب العام للإخوان المسلمين في الجزائر، إلا أنَّ التنظيم لم يتحرك بصفة فعلية إلا بعد إطلاق سراح الشيخين محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني في 1980 بعفو شامل من الرئيس الشاذلي بن جديد. وبذلك يمكن القول، إن التشكيل الفعلي لجماعة الإخوان المسلمين في الجزائر تأخر إلى مطلع الثمانينيات.
وضعت الحركة خطتها الاستراتيجية عام 1982، ووضعت ضمنها تحليلًا سياسيًا لمواكبة الواقع وتطوراته بالإضافة إلى تصورها للمجتمع، وهي ذات الفترة التي كان التنظيم الأم قد استكمل مبادرات التأسيس الفعلي للتنظيم العالمي، ووقع وثيقة ميلاده في أواخر شهر يوليو/ تموز 1982.
في نوفمبر/ تشرين الثاني 1982م اجتمعت مجموعة من العلماء منهم: الشيخ أحمد سحنون والشيخ عبداللطيف سلطاني والدكتور عباسي مدني، ووجهوا نداءً من 14 بندًا يطالب بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية ويشجب تعيين نساء في القضاء، ويدعو إلى اعتماد توجه إسلامي للاقتصاد، ويرفض الاختلاط في المؤسسات. وعلى إثر هذا النداء شاركت الحركات الإسلامية في «تجمع الجامعة المركزية»، وهو ما يُعتبر أول محطة علنية أخرجت الحركة الإسلامية إلى ساحة الفعل العلني والجماهيري.
الانفتاح ودخول الإسلاميين معترك السياسة
عقب انتفاضة 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1988، التي نادت بالإصلاح الاقتصادي والانفتاح السياسي وإطلاق الحريات، صدر الدستور الجديد للبلاد، في 23 فبراير/ شباط 1989. ونصت المادة 39 منه على أنَّ «حريات التعبير والجمعيات والتجمع مضمونة للمواطنين»، فيما نصت المادة 40 على «الحق في إنشاء جمعيات ذات طابع سياسي معترف به».
بادر الشيخ محفوظ نحناح ورفيقه الشيخ محمد بوسليماني إلى تأسيس جمعية خيرية غير حكومية باسم «جمعية الإرشاد والإصلاح»، وكانت أول جمعية إسلامية يتم تأسيسها في ظل الإصلاحات السياسية التي شهدتها الجزائر. وتأسست «رابطة الدعوة الإسلامية» عام 1989، وتولى رئاستها الشيخ أحمد سحنون، أحد تلاميذ الإمام عبدالحميد بن باديس، وقد شارك في حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وذلك لأنه أكبر الأعضاء سنًا، حيث كان عمره 83 عامًا.
كانت الرابطة مظلة للتيارات الإسلامية كلها، وجمعت قيادات العمل الإسلامي على اختلاف توجهاتهم ومرجعياتهم، وعملت على حماية الحركة الإسلامية من التشرذم والتمزق. ومن بين أعضاء الرابطة: محفوظ نحناح، وعباسي مدني، وعبدالله جاب الله، وعلي بلحاج، ومحمد السعيد. ومن أبرز أهداف الرابطة: إصلاح العقيدة، والدعوة إلى الأخلاق الإسلامية، وتحسين الاقتصاد المنهار في تلك الفترة والنضال على مستوى الفكر.
بدأ الاهتمام بالسياسة يتزايد لدى الإسلاميين، ودعا الشيخ علي بلحاج إلى تشكيل «الجبهة الإسلامية الموحدة»، إلا أنَّ الدكتور عباسي مدني اقترح لها اسمًا آخر هو «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، أُعلن عنها في 18 فبراير/ شباط 1989، وقرر عبدالله جاب الله تأسيس حزب «حركة النهضة الإسلامية» (في مارس/ آذار 1989)، في حين رفض الشيخ محفوظ نحناح الفكرة في البداية ثم عاد وأسس حزب «حركة المجتمع الإسلامي» في 30 مايو/ آيار 1991، وظهر التباين بين الحركات الثلاث في الأفكار والمرجعيات والتوجهات والتعامل مع الأحداث السياسية والفاعلين في المشهد.
«جبهة الإنقاذ» تتصدر المشهد السياسي
أعلن عباسي مدني وعلي بلحاج تأسيس حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، في 18 فبراير/ شباط 1989، وصدر بيان الاعتراف بالجبهة في الجريدة الرسمية في سبتمبر/ أيلول 1989. ولخصت الجبهة خطها الفكري في أنَّها «تسعى إلى إقامة نظام حكم مدني تعددي يرتكز على مبدأ الحاكمية لله والسلطة للشعب، وإقامة دولة مستقلة عادلة على أسس الإسلام».
وشاركت الجبهة في أول انتخابات بلدية حرة عرفتها الجزائر، في يونيو/ حزيران 1990، وحصدت المركز الأول فيها. دعت الجبهة في 25 مايو/ آيار 1991، إلى تنظيم إضراب ومسيرات وتجمعات في الساحات العامة، ضد تعديلات قانون الانتخاب وتقسيم الدوائر الانتخابية، وعلى إثر هذه الدعوة اجتمع رئيس الحكومة آنذاك مولود حمروش، مع رئيس الجبهة عباسي مدني ونائبه علي بلحاج، يوم 30 مايو/ آيار، واتفق الجانبان على تنظيم التجمعات في أربع ساحات محددة، إلا أنَّ الإطاحة بحكومة حمروش في 2 يونيو/ حزيران، وتشكيل حكومة جديدة أعطت حرية لأجهزة الدرك الوطني لاقتحام ساحات الاعتصام وتفريق المتظاهرين. واعتُقِل رئيس الجبهة ونائبه بتهمة التآمر على أمن الدولة وتعطيل الاقتصاد الوطني، ثم أُفرج عنهما.
هدأت الأوضاع نسبيًا، وأُجريت المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية يوم 26 ديسمبر/ كانون الأول 1991، وحصلت الجبهة على 188 مقعدًا من أصل 232، وجاء في المركز الثاني حزب جبهة القوى الاشتراكية بـ25 مقعدًا، ثم حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بـ16 مقعدًا.
وعقب هذا الفوز الكاسح للجبهة، حلَّ الرئيس الشاذلي بن جديد المجلس الشعبي الوطني الذي كان يرأسه عبدالعزيز بلخادم، في 4 يناير/ كانون الثاني 1992، ثم أُجبر ابن جديد على الاستقالة من منصبه يوم 11 من نفس الشهر، ما ولد فراغًا دستوريًا. وأعلن الجيش إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات، وأسند الحكم إلى المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد بوضياف ثم علي كافي.
وفي 17 يناير/ كانون الثاني 1992 اجتمع ممثلو الأحزاب الثلاثة الفائزة في المرحلة الأولى، وقرروا دعوة الجزائريين إلى حفظ النظام العام والامتناع عن اللجوء للعنف. واجتمع النواب المنتخبون للجبهة يوم 19 يناير/ كانون الثاني وحرروا رسائل إلى السلطة الحاكمة يطالبونها فيها بـ«احترام الإرادة الشعبية ونبذ العنف». أعلن المجلس الأعلى للدولة حالة الطوارئ في البلاد يوم 9 فبراير/ شباط 1992، وأودع الآلاف من أنصار الجبهة في معتقلات أقيمت بالصحراء، وبدأت حملة مطاردة لمن بقي من كوادرها خارج الاعتقال. وفي مارس/ آذار حُظرت الجبهة بقرار من المحكمة الإدارية، وحُلت كل المجالس المحلية التابعة لها، وزُجّ بقادتها عباسي مدني وعلي بلحاج وعبدالقادر حشاني في السجون.
في خضم هذه الأحداث، برزت على السطح مجموعات انتهجت المسار المسلح، على رأسها «الجيش الإسلامي للإنقاذ» المحسوب على الجبهة والذي تأسس عام 1993. وبدأ حوار مع قيادات الجبهة داخل السجن في عام 1994، لكنه فشل بسبب انعدام الثقة بين الطرفين، كما فشل «عقد روما» للمصالحة الوطنية الموقع في 1995. وفي الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 1997، أعلن جيش الإنقاذ وقف إطلاق النار على إثر اتصالات أجرتها معه قيادة المؤسسة العسكرية، ثم حله رئيسه مدني مزراق في 11 يونيو/ حزيران 1999.
وأكدت الجبهة على لسان رئيس مكتبها التنفيذي عبدالقادر حشاني عند خروجه من السجن، برفقة عباسي مدني، في 15 يوليو/ تموز 1997، أنَّها «حزب سياسي غير مسلح وليس لها أي جناح عسكري»، وأنَّ «من يعتبرون أي جهة ما جناحًا عسكريًا للجبهة هم الذين يتحملون مسؤولية ذلك». وطالبت بـتحقيق مستقل، واعتبرت قرار حلها خطوة غير دستورية.
اغتيل عبدالقادر حشاني في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1999. وفي سبتمبر/ أيلول 2000، وُضع عباسي مدني قيد الإقامة الجبرية حتى أفرج عنه هو ونائبه علي بلحاج، الذي ظل محتجزًا في السجن العسكري حتى 2003، إلا أنَّه لم يسمح لهما بممارسة النشاط السياسي، وما زالت الجبهة ممنوعة من العمل السياسي.
جاب الله والنهضة: لعبة الانشقاقات والتحالفات
أعلن الشيخ عبدالله جاب الله عن تأسيس جمعية «النهضة للإصلاح الثقافي والاجتماعي» في عام 1989. وظهر حزب «حركة النهضة الإسلامية» إلى الوجود في مارس/ آذار من نفس العام، قبل أن يتغير اسم الحزب إلى حركة النهضة بعد تعديل الدستور عام 1996، الذي منع تأسيس الأحزاب على أساس ديني.
قاطع حزب النهضة انتخابات الرئاسة التي أجريت عام 1995، ودخل الانتخابات التشريعية في يونيو/ حزيران 1997، وفاز بـ34 مقعدًا، في المرتبة الرابعة، إلا أنَّ رئيسه رفض الدخول في الحكومة الائتلافية. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية عام 1999، اختلف رئيس الحركة مع المجموعة البرلمانية، التي ساندت عبدالعزيز بوتفليقة، وقرر جاب الله أن يترشح مستقلًا، قبل أن يعود وينسحب رفقة باقي المرشحين الآخرين قبل الاقتراع الرئاسي، ثم تولى الحبيب آدمي رئاسة الحركة، وحوّل دَفَةَ الحزب من معارضة النظام الحاكم إلى موالاته، مما أتاح للحزب الوصول إلى السلطة.
دفع الحزب ثمن موالاته للنظام الحاكم ولم يحصل سوى على مقعد واحد في انتخابات 2002، زاد عدد المقاعد بعد انتخابات 2007 إلى خمسة. وفي انتخابات 2012، دخلت الحركة في تحالف تكتل الجزائر الخضراء مع «مجتمع السلم» و«الإصلاح الوطني» (التي أسسها جاب الله عقب انفصاله عن الحركة)، وحصل التحالف على 47 مقعدًا، في المركز الثالث. وفي انتخابات 2017 انضمت إلى تحالف الاتحاد من أجل العدالة والنهضة والبناء مع جبهة العدالة والتنمية (التي يقودها مؤسس النهضة الشيخ عبدالله جاب الله) وحركة البناء الوطني، وحصل التحالف على 15 مقعدًا.
يذكر أنَّ جاب الله بعد انفصاله عن حركة النهضة عام 1999، أسس حزبًا جديدًا باسم حركة الإصلاح الوطني، ودخل الانتخابات البرلمانية عام 2002، وجاء في المرتبة الثالثة بحصوله على 43 مقعدًا. واستمر على رفضه الدخول في حكومة ائتلافية، قبل أن يترشح في الانتخابات الرئاسية لعام 2004، إلا أنَّه حصل على 5% فقط من الأصوات، في حين حصل عبدالعزيز بوتفليقة على 85%.
شهدت الحركة أزمة داخلية، عام 2007، وانتهزت وزارة الداخلية الفرصة وأبعدت الشيخ جاب الله عن رئاستها. وحصلت الحركة على 3 مقاعد فقط في الانتخابات التشريعية. وفي انتخابات 2012، دخلت الحركة في تحالف تكتل الجزائر الخضراء، وحصل التحالف على 47 مقعدًا، في المركز الثالث. وفي انتخابات 2017 حصلت الحركة منفردة على مقعد واحد.

قاطع جاب الله الانتخابات الرئاسية عام 2009. وتزامنًا مع الربيع العربي، أعلن تأسيسه حزبًا جديدًا، حمل اسم «جبهة العدالة والتنمية»، وتم انتخابه رئيسًا له في 2012، حصد الحزب 7 مقاعد في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في نفس العام، واستمر الحزب على نهج رئيسه في مقاطعة الانتخابات الرئاسية في عام 2014، وفي الانتخابات التشريعية 2017، شكل الحزب تحالف «الاتحاد من أجل العدالة والنهضة والبناء» مع حركة النهضة، وحركة البناء الوطني المنشقة عن حركة مجتمع السلم بقيادة مصطفى بلمهدي، وحصل التحالف على 15 مقعدًا.
الإخوان: إصلاحيون حتى النهاية
أسس الشيخ محفوظ نحناح حركة سياسية إصلاحية، تحت اسم حركة المجتمع الإسلامي، في 6 ديسمبر/ كانون الأول 1990، وتعتبر الجناح الجزائري لتنظيم الإخوان المسلمين. وحصل نحناح على رخصة حزب سياسي باسم حركة المجتمع الإسلامي في 30 مايو/ آيار 1991، في ظل ظهور بوادر أزمة بين جبهة الإنقاذ والسلطة الحاكمة، فاضطر الحزب عام 1996 لتغيير اسمه من المجتمع الإسلامي إلى مجتمع السلم.
ظهرت بوادر خلاف وانشقاق داخل الحركة، عقب توقيف المسار الانتخابي في البلاد، عام 1992، بسبب ما اعتبره البعض «وقوف الحركة مع النظام ضد الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، إلا أنَّ نحناح كان يصر على أنَّه «وقف مع الدولة كي لا تنهار، وليس مع النظام». وفي عام 1994، شاركت الحركة في ندوة الوفاق الوطني التي جاءت بالسيد اليمين زروال رئيسًا للدولة.
دخل نحناح الانتخابات الرئاسية عام 1995، وحصل على المرتبة الثانية بنسبة 25% من الأصوات. بينما حقق زروال 61%. ثم مُنع من المشاركة في رئاسيات 1999، بعدما عُدِّل الدستور الجزائري وأُضيف شرط الحصول على وثيقة رسمية تثبت مشاركة المترشح في الثورة التحريرية من وزارة المجاهدين، بالنسبة للذين ولدوا قبل سنة 1942 وهي سنة ميلاد نحناح.
شاركت الحركة في الجهاز التنفيذي بحقيبتين وزاريتين، عام 1996. وخاضت انتخابات 1997، وبرزت قوة إسلامية لا يستهان بها بـحصولها على 69 مقعدًا محتلة المركز الثاني، قبل جبهة التحرير الوطني. وارتفع عدد الحقائب الوزارية بحوزة الحركة إلى سبع وزارات. ثم تراجع الحزب في انتخابات 2002، وحصل على 38 مقعدًا. وبعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح، عام 2003، تولى الشيخ أبو جرة سلطاني، رئاسة الحركة، وقرر المشاركة في حكومة ائتلافية، ودعم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية عامي 2004 و2009.
وفي انتخابات 2007، جاءت الحركة في المركز الثالث وحصدت 51 مقعدًا، قبل أن تشهد العديد من الانشقاقات من قِبل الكثير من ممثليها وعلى رأسهم 28 عضوًا في مجلس الأمة، مبدين معارضتهم لتشكيل ائتلاف حكومي. خرج الشيخ عبدالمجيد مناصرة من الحركة وكون هو والشيخ مصطفى بلمهدي «جبهة التغيير» في أبريل/ نيسان 2009، التي حصلت على 4 مقاعد في انتخابات 2012. قبل أن ينشق بلمهدي ثانية ويؤسس حركة البناء الوطني، التي خاضت انتخابات 2017 ضمن تحالف الاتحاد من أجل العدالة والنهضة والبناء، الذي حصل على 15 مقعدًا.
وشكل مجتمع السلم والنهضة والإصلاح اتحادًا سياسيًا تحت اسم «تكتل الجزائر الخضراء»، لخوض الانتخابات التشريعية في 2012، منتشين بالنتائج التي حققها الإسلاميون في البلدان المجاورة، مصر وتونس والمغرب، لكن الإسلاميين الجزائريين أصيبوا بهزيمة ساحقة في الانتخابات التشريعية، ولم يحصل تكتل الجزائر الخضراء سوى على 47 مقعدًا.

أصبح عبدالرزاق مقري زعيمًا لمجتمع السلم في 2013، ونقله من معسكر الموالاة إلى المعارضة، غير أنَّ الوزير السابق عمر غول رفض القرار، وأعلن انفصاله عن الحركة وكون حزب «تجمع أمل الجزائر»، الذي حقق مفاجأة في انتخابات 2017 بـحصوله على 20 مقعدًا في المركز الرابع. وفي 2017، حلت جبهة التغيير نفسها وعادت إلى أحضان «حركة مجتمع السلم – حمس»، ضمن مساعي الحركتين لتوحيد البيت الإخواني، وخاضت الانتخابات تحت اسم تحالف حركة مجتمع السلم وحلَّ في المركز الثالث، حاصلًا على 33 مقعدًا.
الأحزاب الإسلامية واحتجاجات «العهدة الخامسة»
فور دعوة الرئيس المُستقيل عبدالعزيز بوتفليقة إلى البدء في تنظيم الانتخابات الرئاسية، التي كان من المقرر إجراؤها الشهر الحالي، أعلنت «حركة الإصلاح الوطني»، التي أصبحت موالية للسلطة بعد الإطاحة بجاب الله، وضع برنامج خاص للتحرك الميداني خلال الحملة الانتخابية، وأنَّها ستلعب دورًا أساسيًا لصالح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ودعت جميع الشركاء السياسيين والأطراف الفاعلة في العملية الانتخابية إلى ممارسات ديمقراطية سليمة وفق مسار سياسي صحيح ليعزز الأمن والاستقرار، والحفاظ على الجزائر التي تسع كل المواطنين.
وثمنت الحركة مضمون رسالة الرئيس التي أصدرها في 11 مارس/ آذار، واعتبرت القرارات «تجاوبًا واستجابة لمطالب قطاعات واسعة من الشعب»، واقترحت تقديم المزيد من الضمانات لطمأنة الشباب المتظاهر والطبقة السياسية وعموم الجزائريين، مع فتح نقاش بين مختلف الفاعلين لصياغة أولويات المرحلة لتحقيق الانتقال السلس من الوضع الراهن إلى الوضع المأمول.

إلا أنَّها حاولت مواكبة الأحداث عقب دعوة قائد الجيش أحمد قايد صالح لإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية وثمنت الدعوة. واعتبرت أنَّ الشروع في تفعيل المادة 102 من الدستور قبل تقديم المزيد من التدابير والإجراءات السياسية التي ترضي مختلف الأطراف الفاعلة في الساحة الوطنية، قد يرهن إحراز أي تقدم لتجاوز الوضع الراهن، كما هنأت الحركة الشعب باستقالة بوتفليقة، واعتبرت ذلك من ثمار الحراك الشعبي ودعم مختلف الفاعلين في البلاد، واقترحت الذهاب إلى حوار استعجالي واسع من أجل وضع أرضية توافق واسعة بين الجزائريين.
وأعلن «تجمع أمل الجزائر» عن تأييده ترشيح بوتفليقة، إلا أنَّه في الوقت نفسه عبَّر على لسان رئيسه عمار غول، عن تأييده الطابع السلمي للمسيرات الحاشدة ودعم مطالبها بإجراء إصلاحات. ووصفها بالحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ودعا إلى الحوار تجنبًا للفوضى، وإلى تنظيم ندوة وطنية لطرح كامل الرؤى فيما يتعلق بالإصلاحات. وقال إنَّ الفيصل هو الانتخابات وليس اللجوء للشارع ولي الأذرع، ووصف معارضي ترشح بوتفليقة بأنَّهم «ليسوا ديموقراطيين وأنهم ديكتاتوريون».
وعلى الجانب الآخر؛ رفضت جبهة العدالة والتنمية، خيار العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، وأكدت أنَّها لن ترشح أحد قياداتها للانتخابات لكنها ستدعم مرشحًا توافقيًا من المعارضة. وأطلقت مشاورات مع مرشحين وأحزاب من داخل وخارج التيار الإسلامي، من أجل التوحد وراء مرشح توافقي لدخول سباق الرئاسة، إلا أنَّها اعتبرت خيار الانسحاب من الانتخابات يظل مطروحًا في حال رأت المعارضة أن السباق محسوم سلفًا، أو أنَّه يجري في ظروف غير نزيهة.
وأعلنت «حركة مجتمع السلم» موافقتها المبدئية على المبادرة لتقديم المعارضة مرشحًا وحيدًا أمام الرئيس بوتفليقة، بالرغم من إعلانها ترشيح رئيسها الدكتور عبد الرزاق مقري، مع تبنيها خيار المقاطعة في حال ترشح بوتفليقة، وأوضحت أنَّه في حال الوصول إلى الاتفاق على مرشح واحد للمعارضة، ستعود قيادة الحركة إلى مجلس الشورى الوطني، للفصل في الموضوع قبل نهاية أجل إيداع ملفات الترشح.
ودعت الحركة لتكون الانتخابات فرصة للإصلاح السياسي والاقتصادي والتوافق الوطني، مع ضرورة الاستجابة لمطالب الشعب وفي مقدمتها التراجع عن العهدة الخامسة، وحذرت من أنَّ الإصرار على هذا الخيار هو إدخال للبلد نحو المجهول.
وأوضحت الحركة أنَّ رؤيتها للانتقال السلس للسطلة تتمثل في استمرار الحراك حتى تتحقق مطالب الجزائريين، والمحافظة على سلمية الحراك، بالإضافة إلى الاكتفاء بمرافقة المؤسسة العسكرية للمرحلة الانتقالية، واختيار شخصية سياسية بالتوافق غير متحزبة وغير متورطة في الفساد وفي التزوير الانتخابي ومقبولة على مستوى الحراك الشعبي لمنصب رئاسة الدولة بصلاحيات محدودة.
الأحزاب الإسلامية وجزائر ما بعد بوتفليقة
أعلن رئيس جبهة العدالة والتنمية، عبدالله جاب الله، رفضه تسيير الأعمال في المرحلة الانتقالية بالوجوه نفسها التي خرج الشعب ضدها، معتبرًا ذلك خيانة للشعب، وأضاف أن الانتخابات المقبلة لا تكون حرة ونزيهة بهؤلاء، وإذا بقي لهم دور فسوف يلتفون على هذا الحراك، وحتى تكون هناك انتخابات نزيهة يجب إبعاد كل من كانت له مساهمة في تسيير شؤون البلد خلال عقدين ماضيين من الزمن.
واقترح رئيس حركة مجتمع السلم، عبدالرازق مقري، أن يتم التوافق على شخصية يقبلها الحراك لقيادة المرحلة الانتقالية، وذلك يكون بحوار بين الأحزاب والمؤسسة العسكرية والمجتمع المدني وممثلي الحراك، لأنَّ الشيء الوحيد الذي يستطيع تغيير الأمور هو الحراك. وقاطع نواب مجتمع السلم وتحالف الاتحاد من أجل العدالة والنهضة والبناء اجتماع البرلمان بغرفتيه، لإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، واعتبر رئيس المجموعة البرلمانية للتحالف، لخضر بن خلاف، أنَّ مقاطعة الجلسة انسجام مع مواقف الشارع، مضيفًا أنه لا يمكن حضور جلسة يتم فيها تنصيب رئيس لتسيير شؤون الدولة على الرغم من أنه مرفوض من الشعب.
وعلى الرغم من الخوف من تفاعل الأحزاب الإسلامية مع الحراك الحالي، يُنظر للإسلاميين على أنَّهم أكثر وعيًا بالواقع السياسي منذ الانفتاح، وهو ما ساعدهم على الاستمرار في المشهد، واحتلال المساحة الأبرز من الخريطة السياسية، حتى في أحلك الفترات التي تعرضت لها الحركة الإسلامية السياسية في البلاد، إلا أنَّه لا يُتوقع لها أن تتصدر المشهد في المستقبل القريب بسبب ما يعتبره البعض مشاركتها في السلطة ومساعدتها على الظهور بصورة أكثر ديموقراطية، والخلافات والتجاذبات الشديدة بين مكوناتها، بالإضافة إلى التوجس من رد الفعل في حال وصول الإسلاميين إلى الحكم.

[1] كتاب الحركات الإسلامية في الجزائر الجذور التاريخية والفكرية للطاهر سعود







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق