الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


منبر الجمعة





تاريخ النشر: 2016-02-26 15:09:00

عدد القراءات: 1594


خطبة الجمعة 17 جمادى الأولى 1437 ه الموافق 26 فبراير 2016
------------------------------------------------
الزهراء ع عنوان الطهر ورمز القضية
----------------------------------------------------------------------------------------
السيد عصام احميدان الحسني





الخطبة الأولى :


بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا وطبيب قلوبنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر المنتجبين
أيها المؤمنون ، يقول الله تعالى في كتابه الحكيم ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ( سورة الأحزاب ، الآية 33) وقد حاول خصوم أهل البيت ع وبذلوا قصارى جهدهم لصرفها عن علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام رغم أن الأحاديث التي وثقت واقعة الكساء وإدخال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي وفاطمة والحسن والحسين ع تحت الكساء والدعاء لهم بالتطهير كثيرة وصحيحة لدى الفريقين سنة وشيعة ونقل لنا تلك الواقعة أزواج النبي أنفسهم سواء عائشة أو أم سلمة ..غير أن الفكر الخارجي قديما وحديثا كان ولا يزال يميل إلى إخراج عترة النبي صلى الله عليه وآله من شمول حكم الآية ، فهذا سلف الخوارج عكرمة مولى عبد الله بن عباس كان يمشي في الأسواق ويخطئ الناس المعتقدين بأن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله مطهرة ، فكان يقول ( ليس بالذي تذهبون إليه إنما هو نساء النبي ) ، ولم نجد صحابيا واحدا قال بما قاله عكرمة الخارجي ، وقد قال فيه الذهبي (قد تكلّم الناس في عكرمة لانّه كان يرى رأي الخوارج ، بل كان هذا الرجل مستهتراً بالدين ، طاعناً في الإسلام ، فقد نقلوا عنه قوله : إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به الناس ، وقال في وقت الموسم (أي موسم الحج) : (وددت أنّي بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً) ، وإنّه وقف على باب مسجد النبي وقال : (ما فيه إلاّ كافر) ، وذكر أنّه كان لا يصلّي ، وأنّه كان يرتكب جملة من الكبائر .
وقد نصّ كثير من أئمّة أهل السنة على أنّه كان كذّاباً ، فقد كذب على سيّده عبدالله بن عباس حتّى أوثقه علي بن عبدالله بن عباس على باب كنيف الدار ، فقيل له : أتفعلون هذا بمولاكم ؟ قال : إنّ هذا يكذب على أبي ، وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال لمولاه : يا برد إيّاك أن تكذب عَلَيّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس ، وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر الذي هو من فقهاء المدينة المنوّرة قال : إنّ عكرمة كذّاب ، وعن ابن سيرين قال عنه: كذّاب ،وعن مالك بن أنس قال عنه أنه:كذّاب ، وعن يحيى بن معين قال عنه: كذّاب .وعن ابن ذويب قال عنه: كان غير ثقة ، وكان مالك بن أنس لا يستحل الرواية عن عكرمة،وقال محمّد بن سعد صاحب الطبقات:ليس يحتج بحديثه ) .
أما خوارج العصر من الوهابيين فإنهم تارة يذهبون إلى جعل الآية غير مختصة بعترة رسول الله وشاملة لنسائه ، وتارة يذهبون إلى القول أنها مختصة بنساء النبي صلى الله عليه وآله وهو تجديد لمقالة سلفهم عكرمة الخارجي لا قولا جديدا ، وتارة يذهبون إلى التقليل من قيمة (التطهير) فيجعلون التطهير هنا مرادفا لذلك التطهير للمؤمنين من أهل بدر الذين غشيهم النعاس وأنزل الله عليهم المطر تطهيرا لهم وأيضا لأخذ النبي من أموال المسلمين الزكاة تطهيرا لهم وما إلى ذلك من الالتفافات لتمييع قضية (التطهير) وجعلها قضية عادية لا قيمة لها ولا خصوصية فيها لعترة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهم في ذلك لا يميزون بين التطهير من الرجس والتطهير من الرجز ، ولا بين النجاسة المادية والنجاسة المعنوية ، أو أنهم يعلمون تلك الفوارق لكنهم يدلسون على عوام الأمة ليضلوهم عن الصراط المستقيم وسواء السبيل .
أيها المؤمنون ، لا نهدف الآن الخوض في مناقشة علمية لآية التطهير من الناحية اللفظية أو السياقية ، لكن ما يهمنا هنا هو حضور فاطمة الزهراء ع كشخصية مطهرة مثلت أساس ( الكوثر) أي الخير الكثير فيها وفي ذريتها ، فأخبر الله أن فيها الخير الكثير وأن من شان النبي واتهمه بانقطاع نسله فإنه هو الأبتر .. وهو ما قال عنه تعالى ( إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ).
كما أنها مثلت لرسول الله وهو الذي عاش اليتم منذ صغره ليس فقط البنت بل كانت له الأم الحنون التي تعطف عليه وتمنحه كل الحنو ، حتى أنه ذكر في المعجم الكبير والاستيعاب وأسد الغابة وفي مقاتل الطالبيين و في كشف الغمة للاربلي أنها كانت تكنى ب(أم أبيها) .
لقد كان زواج هذه السيدة الطاهرة المطهرة أيضا استثنائيا بكل ما تمثله المرأة الاستثنائية في التاريخ الإنساني كله حتى نالت إلى جانب أمها خديجة وآسية ومريم عليهن السلام صفة ( سيدة نساء العالمين ) . فقد كان قرار زواجها من علي ع إلهيا لا بشريا ، إذ الأمر في ذلك كان لله من قبل ومن بعد، رغم أن أعناق الصحابة تطاولت لنيل هذا الشرف العظيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (لولا عليّ لم يكن لفاطمة كُفء) ، وكان رسول الله ص يرد كبار الصحابة الخاطبين قائلا (لَم يَنزِل القَضَاءُ بَعْد) .
وقد روى السيد الأمين في المجالس السَنيَّة ما مُلَخَّصُهُ: جاء علي(عليه السلام) إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو في منزل أمّ سَلَمة، فَسلَّم عليه وجلس بين يديه، فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله): (أتيتَ لحاجة)؟ فقال(عليه السلام): (نعم، أتيتُ خاطباً ابنتكَ فاطمة(عليها السلام)، فَهل أنتَ مُزَوِّجُنِي)؟
قالت أمّ سلمة: فرأيت وجه النبيّ(صلى الله عليه وآله) يَتَهَلَّلُ فرحاً وسروراً، ثم ابتسم في وجه علي(عليه السلام) ودخل على فاطمة(عليها السلام)، وقال لها: (إنّ عليّاً قد ذكر عن أمرك شيئاً، وإنّي سألت رَبِّي أن يزوّجكِ خيرَ خلقه فما ترين)؟، فَسَكَتَتْ(عليها السلام).
فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو يقول: (اللهُ أَكبر، سُكوتُها إِقرَارُها). فعندها أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أَنَسَ بن مالك أن يجمع الصحابة، لِيُعلِن عليهم نبأ تزويج فاطمة لعلي(عليهما السلام). فلمّا اجتمعوا قال(صلى الله عليه وآله) لهم: (إنّ الله تعالى أمرني أن أُزَوِّج فاطمة بنت خديجة، من علي بن أبي طالب).
ثم أبلغ النبي(صلى الله عليه وآله) علياً بأنّ الله أمره أن يزوّجه فاطمة على أربعمائة مثقالٍ من الفضة، وكان ذلك في اليوم الأول من شهر ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة.
لقد عاشت السيدة الزهراء ع في بيت زوجها عاملة بيدها مطيعة لزوجها متفقهة في دينها مربية لأولادها أحسن ما تكون التربية ، وكان قلبها متعلقا بوالدها أيما تعلق ، فقد روى ابن حفيدها الإمام الباقر ع أنها(ما روئيت فاطمة ضاحكة قط ، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضت ) وروى البخاري عن عائشة أنها قالت : (دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيه ، فسارها بشئ فبكت ، ثم دعاها فسارها فضحكت ، قالت فسألتها عن ذلك ، فقالت : ( سارني النبي صلى الله عليه وسلم فاخبرني انه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ، ثم سارني فاخبرني إني أول أهل بيته اتبعه فضحكت ) ( أخرجه أيضا مثله مسلم وأحمد وابن سعد وابن ماجة وابن راهويه ) .
وروي انه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امتنع بلال عن الأذان وقال : لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن فاطمة ع ، قالت ذات يوم : أشتهي أن اسمع صوت مؤذن أبي بالأذان ، فبلغ ذلك بلالا فاخذ يؤذن ، فلما قال : الله اكبر الله اكبر ، ذكرت أباها وأيامه ، فلم تتمالك نفسها من البكاء ، فلما بلغ قوله ( وأشهد ان محمدا رسول الله ) شهقت فاطمة ، وسقطت لوجهها ، وغشي عليها ، فقيل لبلال : أمسك قد فارقت ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا ، وظنوا أنها قد ماتت ، فلم يتم الأذان فأفاقت ، فسألته إتمامه ، فلم يفعل وقال لها: (يا سيدة النساء،إني أخشى عليك مما تنزليه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان) ، فأعفته من ذلك ) .
لقد عاشت الزهراء ع محنة التحول التاريخي في أمة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فوقفت مع زوجها علي ع دفاعا عن حقها في أرض (فدك) والذي منعت منه بعد وفاة أبيها ، كما وقفت من أجل إمامة علي ع وخلافته لرسول الله المستحقة بلا منازع ، إذ لا يجادل في أفضليته واستحقاقه لذلك إلا جاهل أو جاحد ، وقد تعدد الروايات اتي تشير إلى كون بعض كبار الصحابة هددوا بإحراق دارها رغم علمهم بوجودها فيها مع أبنائها ، لا لشيء إلا لأجل إخراج الصحابة الذين امتنعوا عن بيعة أبي بكر ، غير أن المخالفين ينكرون كل تلك الروايات والأخبار مدافعين عن رموزهم ومبرئين ساحتهم ، متهمين كل من نقل الرواية من ابن قتيبة وابن شيبة والمسعودي وابن عبد ربه ..بأنهم (رافضة) أو (معتزلة) أو ما إلى ذلك من التصنيفات التافهة لإسقاط تلك الأخبار المتظافرة المؤكدة لوقوع الجرأة والتعدي على حرمة بيت الزهراء وعلي عليهما السلام لا لشيء إلا لأجل أمر الخلافة الذي جعلوه أكبر همهم ومدار شغلهم ، بينما لم تكن تلك الخلافة تعني لعلي ع شيئا إلا أن يقام بها الحق والعدل ويرفع بها الظلم والطغيان .
أيها المؤمنون ، لقد مثلت الزهراء ع خط الطهر والتقوى والصبر على البلاء ومثلت أنموذجا للمرأة الرسالية مع أبيها وزوجها وبنيها ، وغادرت الحياة الدنيا التي لم تعد تعني لها شيئا بعد فقد أبيها ، ووقفت مع الحق في قضية الإمامة والخلافة وواجهت الظلم في قضية فدك واقتحام دارها ، وقد أوصت الزهراء ع بأن تدفن ولا يعلم قبرها إلا زوجها وأبناؤها ، فقد روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال: ( لما مرضت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصّت إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يكتم أمرها ويخفي خبرها, ولا يؤذن أحداً بمرضها, ففعل ذلك وكان يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رضي الله عنها على الاستسرار بذلك كما وصّت به ، فلما حضرتها الوفاة, وصّت أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتولّى أمرها, ويدفنها ليلاً ويعفي قبرها, فتولى ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) ودفنها وعفى موضع قبرها... ) (أمالي المفيد ص 281 ح 7 , أمالي الطوسي ح 1 ص 107) وقد ساهم خفاء قبرها في تخليد السؤال في أذهان المسلمين الباحثين عن الحق والحقيقة ، لينكبوا على دراسة تاريخهم والفهم الحقيقي للإسلام ..
إن لدينا في مدرسة أهل البيت ع بعض الأحاديث التي رواها أحفادها الأئمة ع ومن ذلك ما راوه الشيخ الطوسي في (التهذيب) بإسناده عن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام عَنْ قَبْرِ فَاطِمَةَ عليها السلام فَقَالَ دُفِنَتْ فِي بَيْتِهَا فَلَمَّا زَادَتْ بَنُو أُمَيَّةَ فِي الْمَسْجِدِ صَارَتْ فِي الْمَسْجِدِ) ، بل إن الإمام علي بن الحسين ع وكذا الإمام الرضا ع نقل عنهما ما يؤكد أنها دفت في دارها فلم تمت توسعة المسجد النبوي صار موضع قبرها بين قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ومنبره ، ولعل في ذلك تفسير لقوله صلى الله عليه وآله ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ) ، فسلام الله عليها يوم ولدت ومثلت الأنموذج الرسالي ويوم غادرت هذه الدنيا الدنية تاركة علامات استفهام للباحثين عن الحق ويوم تبعث شاهدة على قومها وصلى الله على محمد واله الطاهرين .
(سيتم نشر الخطبة الثانية لاحقا)







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق