الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


شيوعيون وإسلاميون في زمن (الرأسمالية لايت)





تاريخ النشر: 2016-02-07 13:42:00

عدد القراءات: 1077


شيوعيون وإسلاميون في زمن (الرأسمالية لايت)



عصام احميدان الحسني





إن الحركة هي صفة الوجود وما من موجود إلا وهو متحرك في إطار مراتبي انطلاقا من القوة إلى الفعل ومن المرتبة الأدنى إلى المرتبة الأعلى في أفق تطوري نحو الكمال بمعنييه الموجود والمقصود ، وهذا الأخير(الكمال المقصود) أشرف وأكمل الكمالات لأنه يقوم على الحركة الغائية خلافا للتطور الطبيعي والارتقاء الوجودي للأشياء من القابلية إلى الفعلية .


إن الحركة الغائية الإنسانية بمظهريها الذهني(مستوى المفاهيم والتصورات المتحققة عنوانا) والخارجي(مستوى المصاديق الخارجية المتحققة عينا) يمكن لحاظها في مستويين : ( القطعي والتوسطي) ، فالقطعي من الحركة هو المتزمن المتناهي بينما الحركة التوسطية أعم وأشمل لاستيعابها كل المقاطع الزمنية من عمر المتحرك ليكون لحاظها على أساس المبدأ والمنتهى والغاية .
ولو نظرنا إلى التصورات المجتمعية فإننا سنجد بعضها قطعي وبعضها الآخر توسطي ، فالرأسمالية الديموقراطية وكذا الاشتراكية هما تصورين لحركة قطعية متزمنة بلحاظ التحول المجتمعي نحو الحرية الفردية وحكم الأكثرية (الرأسمالية الديموقراطية) أو على نحو ابتغاء العدالة الاجتماعية التشاركية ( الاشتراكية) ، ولا نجد في التصوريين المطروحين تحديدا لمبدأ الحركة ومنتهاها وغايتها لأنهما لم يتأسسا على رؤية محددة للحياة والكون ، خلافا للتصورين الإسلامي والشيوعي الذين يمتلكان تصورا كونيا محددا .
ينظر التصور الإسلامي لكل هذه التجارب المجتمعية كسيرورة نحو الصيغة المجتمعية الأفضل ، ففي الطرح السني نجد أن (الخلافة على منهاج النبوة) هي خلاصة سياسية تطورية بعد تعاقب مشاريع سياسية لملك عضوض وجبري ، وفي الطرح الشيعي نجد أن المهدي المنتظر لن يظهر إلا بعد أن يتم تجريب كل المشاريع المجتمعية وتحقق فشلها ، كي لا يقال أن ما أتى به المهدي من صيغة مجتمعية كان من الممكن للغير أن يأتي بها ، ولذلك يحصر الفكر الشيعي أطروحة (الخلافة على منهاج النبوة) في ختم الأولياء المهدي المنتظر ويتحرك في زمن الغيبة من خلال أطروحات اجتهادية انتقالية ( ولاية الفقيه لدى البعض وولاية الأمة لدى البعض الآخر أو الصيغة الجامعة بينهما ) ..ويسطر المشروع الإسلامي بقسميه السني والشيعي شعار (العدل والكرامة ) كعنوان للمشروع المجتمعي دون الوقوف كثيرا على تفاصيل ذلك العدل وتلك الكرامة ، وكيفية بلوغ ذلك الهدف وبأي برنامج اقتصادي.
وبالنسبة للتصور الشيوعي فإنه يعتبر أن التحول نحو الرأسمالية ثم الاشتراكية ضرورة للانتقال التطوري نحو الغاية الأساس للحركة الإنسانية ألا وهي (الشيوعية) ، فالرأسمالية هي بداية الحركة ومقطع ومن مقاطعها والاشتراكية محطة من محطات الحركة وجسر عبور نحو الغاية الشيوعية التي تنمحي فيها الملكية الخاصة والطبقات فتسيطر الدولة على السلطة ووسائل الإنتاج وهي المسؤولة عن تحقيق نظام اجتماعي عادل وكريم .
أيضا نجد أن كلا من الرأسمالية الديموقراطية والاشتراكية لا يقدمان تصورا يفسر حركة التاريخ والمجتمع خلافا للتصورين الإسلامي والشيوعي ، لكن كلا التصورين بقيا في عالم النظرية ولم يستطع الإسلاميون ولا الشيوعيون تنزيل تصوراتهما تلك على أرض الواقع فتمت الاستعاضة عنهما بصيغ اجتماعية توفيقية انتقالية قيل من قبلهما أنها أكثر واقعية تجمع بين سمات المجتمع الرأسمالي وسمات المجتمع الشيوعي ، أو تلك التي تجمع سمات المجتمع الرأسمالي وملامح المجتمع الإسلامي ، فكانت النتيجة أن انحاز الشيوعيون أو تحولوا في الواقع السياسي إلى الاشتراكية التي بدورها تتخفف مع مرور الوقت وتنحو نحو الرأسمالية ليصبح شيوعيو الأمس رأسماليين بينما انحاز الإسلاميون أو تحولوا إلى رأسماليين بشكل مخفف وملطف ، ليكون المشهد العام لتحولات الشيوعيين والإسلاميين هي أنهم أصبحوا (رأسماليي لايت) .
لقد أوجد الإسلاميون في مستوى الحكم كما الشيوعيين الأعذار للخروج من تأميم وسائل الإنتاج وتقوية الدولة كأداة لإقامة مجتمع العدل والكرامة فتمت خوصصة وسائل الإنتاج ، كما تم التبرير للتفاوتات الطبقية وتفاوتات الأجور ، وأصبح نظام القروض الربوية مقبولا لدى الشيوعيين الذين كانوا يعتبرونه مظهرا من مظاهر فساد النظام الرأسمالي كما بات مقبولا لدى الإسلاميين الذين تعايشوا معه بمنطق الحيل الشرعية لإضفاء صبغة الشرعية على بعض المعاملات البنكية وعلى قاعدة الاضطرار وتقديم جلب المنافع على درئ المفاسد .
لاشك أن الشيوعيين انطلقوا من غاية إنسانية نبيلة وهي (القضاء على الظلم و اللامساواة وابتغاء العدالة الاجتماعية) لكن الحل الذي اقترحوه لبلوغ ذلك الهدف كان هو تدمير الطبقية والذي تبين لاحقا أنه هدف متعذر ولابد من قبول طبقية ما في مواجهة الطبقيات الأخرى ، فكانت تلك الطبقة المقبولة لأداء الدور التاريخي هي طبقة العمال التي أصبح من حقها أن تمارس الاستبداد على الطبقات الأخرى تحت شعار ( ديكتاتورية البروليتاريا) وشعار (لاحرية لأعداء الحرية) ، وتحولت الدولة إلى محتكرة لوسائل الانتاج إلى درجة أنها تضخمت ومارست دورا استبداديا وبيروقراطيا ..فكان الطريق المفضي إلى العدالة هو ذاته الطريق المؤدي للاستبداد .
ولاشك أيضا أن الإسلاميين قد انطلقوا من غاية إنسانية نبيلة وهي (القضاء على ظلم العباد للعباد بربط الناس برب العباد ابتغاء المساواة والعدالة الاجتماعية) ، لكن الحل الذي تمت صياغته إسلاميا لم يكن إلا حلا أخلاقيا تربويا ، وقد كان من المنطقي أن تمارسه الحركة الإسلامية من موقع الدعوة والحركة لا من موقع الحكم ..لكن الإسلاميين وجدوا أن ربط الناس بخالقهم والتعبئة الروحية بالقيم الإيجابية ( التكافل والتضامن والتمييز على أساس استحقاقي محدد ألا وهو العمل ) لا يمكن أن يكون له جدوى إلا إذا أصبحت النظرية التربوية معززة بأدوات السلطة القادرة على فعل ما لا تفعله المنابر والدروس الوعظية والمقالات الإسلامية، بدعوى أن (الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) وأن الإسلام دين ودولة .
إذا كان تحول الإسلاميين من موقع الدعوة إلى موقع الدولة هو الذي سينقل المشروع الإسلامي من الحالة الفردية إلى الحالة المجتمعية ولأن الإسلام دين ودولة ، فما هي الصيغة الاجتماعية للحل الإسلامي ؟ إن كل ما طرح ويطرح في هذا السياق لم يخرج عن حدود الشعارات التي لا يختلف حولها الشيوعيون والرأسماليون و الإسلاميون ( العدل ، التنمية ، الحرية ..) ، بل إن النتيجة المحصل عليها من العمل التربوي لم تكن مماثلة لما هو مسطر في المستوى النظري ، فقيام الليل والمواعظ الدينية لم تفلح في خلق سياسيين يفكرون بمنطق المصلحة الكلية للمجتمع ولا يتحركون بمنطق الأنا (الفرد) والأنا (الجماعة) والأنا (الحزب) ، كما لم تفلح في رسم معالم سياسة إسلامية واضحة لمعالجة مشكلات اجتماعية محددة ( البطالة ، الهجرة ، إفلاس الصناديق التدخلية للدولة ، رداءة جودة التعليم ، تفشي الخطاب الطائفي ، فساد العملية الانتخابية ..) لذلك اضطر هؤلاء إلى نهج سياسة (الرأسمالية المخففة) وهو نفس ما قام به الشيوعيون الذين دخلوا إلى ميدان العمل السياسي فاضطروا إلى تبني الخيار الاشتراكي الذي هو ليس إلا رأسمالية مخففة ، قيل أنها مرحلة نحو المجتمع الشيوعي بينما الحقيقة أنها المحك الواقعي لفشل النظريتين الشيوعية والإسلامية معا (رغم سلامة النوايا) واللتين اصطدمتا بعقبة واحدة ألا وهي أن تمركز الإنسان حول ذاته كان أقوى من كل الأطروحات الرامية إلى تغييره .
لقد واجهت الشيوعية معضلة الإنسان وتمركزه حول ذاته بنحو صار الإنسان إله نفسه ( اتخذ إلهه هواه ) وما كان تعويلها على العمال بوعيهم الطبقي الثوري تارة وعلى الدولة بقوتها الزجرية تارة أخرى إلا هروبا من أصل المشكلة ألا وهي مشكلة المحتوى الداخلي للإنسان الذي إن لم يتغير فلن تتغير الصيغة الاجتماعية ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، كما أن الإسلاميين ظنوا أنهم من خلال الخطابة والدروس التربوية سوف يحدثون تغييرا فرديا سرعان ما سيتحول تلقائيا إلى تحول جماهيري عارم نحو العدالة الاجتماعية ورسم صورة الحكم العادل على قاعدة (كيفما تكونوا يولى عليكم) ، فدخلوا المعترك السياسي دون أن يكون لديهم أي تصور حول طبيعة المشكلة الاقتصادية ومفاصل صناعة القرار السياسي وبالتالي لم يتمكنوا من صياغة نظرية تغيير سياسي أو اقتصادي يحدد معالم التحول الاجتماعي نحو العدالة والتنمية المنشودتين .
إنني أعتقد أن الشيوعيين قدموا قراءة تفكيكية للاقتصاد والسياسة بشكل لم يقدمه الإسلاميون ، غير أن الثغرة التي تجاهلها الشيوعيون في البناء النظري لصيغة الحل الاجتماعي كانت في تغييب دور وقيمة المحفزات القيمية في تحرير الفرد من الذاتية وهو ما حاول الإسلاميون النفاذ منه لاستيعاب الجماهير المرهقة بالصراعات المادية ، غير أن ذلك لم يكن كافيا لأن التحفيز وحده لا يكفي إذ لابد من التحليل الاقتصادي والسياسي و البناء عليه في تحديد شكل الحل الاجتماعي .
من هنا جاءت الدعوة إلى تأسيس حركة (رساليون تقدميون) ، لنعيد الأمور إلى نصابها ولنقول للإسلاميين والشيوعيين بأنكم من خلال صيغة مندمجة (تصوريا وحركيا) وليس كصيغة تلفيقية هجينة وككتلة موحدة تجمع بين القيم الإيمانية والوعي التقدمي فإنكم ستكملون بعضكم البعض ،وأن صراعاتكم قد استفادت منها فقط الرأسمالية العالمية وأدواتها التي استطاعت تدجين الشيوعيين والإسلاميين لإنتاج مشهد سياسي (زيرو) تسوده قوى (الرأسمالية لايت).







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق