الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الوطن والشعب : معادلة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية





تاريخ النشر: 2016-02-02 00:44:00

عدد القراءات: 991


الطريق إلى الشعب


عصام احميدان الحسني







(2)

الوطن والشعب :معادلة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية:



إن ما حاول الإشارة له الزعيم محمد بن الحسن الوزاني مبكرا ( مفهوم الشعب) بدأت تعيه قيادات أخرى من داخل حزب الاستقلال (المهدي بن بركة ، عبد الله ابراهيم ، عبد الرحيم بوعبيد ، الفقيه البصري، عبد الرحمن اليوسفي ..) ، وقد استوعبت هذه القيادات ضرورة أن يكون الشعب جوهر القضية الوطنية لا أن يكون الوطن اختصارا واختزالا للقوات الشعبية بل إطارا وحدويا لها وهو ما جعلهم يتحولون إلى تأسيس حزب ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) بتاريخ 6 شتنبر 1959 م ، ضم في جنباته أنصار المستضعفين من الشعب بغض النظر عن توجهاتهم العقدية ( التوجه الإسلامي ممثلا في بلعربي العلوي نموذجا / التوجه الاشتراكي ممثلا في المهدي بن بركة وبوعبيد ..) ، غير أن القمع والحصار الذي واجهه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية جعل قيادات الحزب في مواجهة الاختراق و الاعتقال والمنفى والاغتيال السياسي وهو ما مهد لمرحلة السبعينيات التي يمكن اعتبارها فترة نهاية (الوطنية) وحلول (الإيديولوجيا) محلها ، وخير دليل على ذلك : خروج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من رحم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبنظرة بسيطة للعنوان نجد أن ما تغير هو (الوطني) ليحل محله (الاشتراكي) وذلك في المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 ، علما أن بداية السبعينات شهدت كذلك تشكل الحركة الماركسية اللينينية وهو عنوان إيديولوجي واضح لم يكن ليظهر في فترة الستينيات وما قبل ذلك ..أيضا شهدت بداية السعينيات تشكل حركة (الشبيبة الإسلامية) التي رفعت بدورها العنوان العقدي كأساس إيديولوجي للحركة ..وهو ما يجعلنا نعتبر أن بداية السبعينيات هي مرحلة نهاية (الوطنية) و(الوطنية الشعبية) وميلاد (النزعة الإيديولوجية) في العمل السياسي المغربي.
إن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وإن تأسس سنة 1959م إلا أن الانعطافة التاريخية في تاريخ الحزب تمثلت في المؤتمر الوطني الثاني فقد ظلت حالة من الغموض الإيديوسياسي تكتنف الخط العام للاتحاد ، وهو غموض قد يكون مقصودا من قبل قيادات الحزب ، بالنظر لطبيعة المعارك التي كانت تتم بين الحزب والقوى المناهضة له ، وقد اعترف بذلك الشهيد المهدي بن بركة في كلمته أمام المؤتمرين بالمؤتمر الوطني الثاني ، إذ قال ( من نحن ؟ مضى علينا زمن طويل ونحن لا نريد الإفصاح عن الهدف الذي نرمي إليه ، فبسبب التسويات وأنصاف الحلول غير المشروحة ، وبسبب المعارك الدائرة في طي الخفاء ، لم نتمكن من تحديد آفاقنا البعيدة ، ولطالما تلقينا هذا الاستفسار : ما هو برنامجكم ؟(..) ومع ذلك فهذا لا ينقص من قيمة النقد الذي نوجهه لأنفسنا ، وهو عدم تبيان واضح لمعالم المجتمع الجديد الذي نسعى لبنائه في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لابد لنا من وضع حد لهذا الغموض ، مادامت الصورة السياسية للقوى المتصارعة في البلاد قد انكشفت ، فإن مزيدا من التوضيح لابد منه حتى نحدد اتجاهنا كاختيار ثوري أمام الاختيار الرجعي الديماغوجي المتحكم في البلاد ، وإن أفضل سبيل لذلك لهو اغتنام فرصة انعقاد المؤتمر الثاني لحزبنا من أجل تبيان المهام التي تنتظرنا في العاجل والآجل ) ( الاختيار الثوري ، ص 15) .
إن المؤتمر الوطني الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية مثل التحول من الوطنية الصرفة إلى الاختيار الوطني الشعبي ، ولم يكن (الاختيار الثوري) الذي أطلقه الشهيد المهدي بن بركة إلا اختيارا شعبيا من الشعب وإلى الشعب بكيفية ثورية خلاقة أقامت مصالحة بين الوطن والمواطن ولو في الإطار النظري لحركة الفعل السياسي .
لئن كان الشهيد المهدي بن بركة قد حرص من خلال المؤتمر الوطني الثاني على تحليل الوضعية السياسية الخارجية وكذا الداخلية من خلال أدوات التحليل الاشتراكي غير أن اشتراكية بن بركة لم تكن اختيارا إيديولوجيا صرفا يراد تقمصه في إطار (بروباغاندا) تحريفية تخفي الوجه الحقيقي لرافعي تلك اليافطة وخلفياتهم الإقطاعية والاستعمارية فقد قالها بوضوح ( وإن دور حزب ثوري في الساعة الراهنة ليس هو رفع يافطة الاشتراكية وإنما هو أن يثبت الخصائص التي تتميز بها أهدافها التقدمية الأصيلة عن الاشتراكية المزيفة التي يملأ طنينها أرجاء القارة الإفريقية .
فمن الضروري إذن أن نقاوم بشدة الانحرافات والتضليلات التي تتستر تحت اسم الاشتراكية ، وهي في الواقع ليست سوى أنظمة شبه فاشستية أو إقطاعية أو عميلة للاستعمار ) ( الاختيار الثوري ، ص 22) .
إن الاختيار الثوري لم يكن سوى الصيغة التي يفضل الشهيد بن بركة التعبير بها عن الاختيار الشعبي المنحاز كليا للطبقة الكادحة والمتوسطة في المجتمع في مواجهة الاقطاع والاستعمار ، ولم تكن الاشتراكية سوى القوانين العلمية لتحليل البنيات الاقتصادية للمجتمع فيما هي علاقات ووسائل الإنتاج دون أن يعني ذلك أن الشهيد بن بركة أدار ظهره للتراث الإسلامي والوطني بل كان رغم تبنيه قضايا أممية إنسانية يؤمن بضرورة قراءة التراث الإسلامي والوطني وتوظيف الجوانب التقدمية فيه لبناء رؤية إيديولوجية متينة لمناضلي الحزب إذ قال ( إن هذا التكوين الإيديولوجي يجب أن يقوم على أساس دراسة القوانين العلمية لتطور المجتمع وقد أثرتها تجارب الثورات الاشتراكية والتحررية ضد الاستعمار ، كما يجب أن تمتد جذوره إلى أعماق ثقافتنا العربية والإسلامية وأن تستمد قوتها من ترثنا القومي الزاخر بالقيم التقدمية والإنسانية ) ( الاختيار الثوري ، ص 26) .
منذ الالتفاتة المبكرة لزعيم الشورى والاستقلال الأستاذ محمد بن الحسن الوزاني لكون الشعب هو جوهر العملية السياسية التغييرية والتحريرية ، لم نجد التفاتة قوية للمحتوى الشعبي للتغيير إلا في إطار تجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبالأخص في مؤتمر الوطني الثاني الذي سطر توجهه الشهيد المهدي بن بركة وأعلن انحياز الحزب للشعب في قضاياه ، لكن من خلال تحديد دقيق لماهية (الشعب) الذي يتمحور حوله الحزب ، إذ أن (الشعب) ليس وحدة هلامية بل هو مكونات ثقافية واجتماعية مختلفة وتعابير طبقية متنوعة واختيارات سياسية متضاربة ، مما يصبح معه الحديث عن (الشعب) في كليته خطابا ديماغوجيا وليس خطابا سياسيا جادا ، لأجل ذلك أعلن الشهيد بن بركة بوضوح ( فلا غرو أن نكون عن جدارة حزب الجماهير الكادحة الحضرية والقروية الذي يتجسد فيه التحالف بين العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين ، فنحن حزب الشعب المغربي باستثناء الطبقات المستغلة من إقطاعيين وبورجوازيين طفيليين حلفاء الاستعمار الجديد وركائزه ) (الاختيار الثوري ، ص 26).







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق