الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الحراك بالمغرب ..إلى أين ؟





تاريخ النشر: 2016-01-23 15:35:00

عدد القراءات: 880


قضية وطنية

الحراك بالمغرب ..إلى أين ؟

عصام الحسني


مما لا شك فيه أن تحليل أي حدث سياسي يحتاج إلى ربطه بسياقاته الخارجية والداخلية لتفكيك خلفياته وآفاقه..لذلك ونحن نقف على أعتاب مسيرة احتجاجية شعبية غدا 24 يناير 2016 يقودها الأساتذة المتدربون بدعم وتأييد من مختلف القوى المدنية في المجتمع المغربي في مواجهة سياسات لاشعبية تستهدف الطبقة المتوسطة والفقيرة وتعمق من حجم الفوارق الطبقية وتنحاز إلى اختيارات رأسمالية واضحة تحولت فيها الدولة إلى حارسة في المجال الاقتصادي والاجتماعي وأداة أمنية لمنع أي حراك يروم خلخلة التركيبة اللاعادلة للثروة والسلطة .
إن هناك سؤالا يثار في الأفق حول مآل هذا الحراك الشعبي الذي بتنا نتلمسه في العديد من القطاعات المجتمعية ، خاصة في ظل تحول الحراك بالمنطقة إلى أداة استراتيجية لإعادة تفتيت الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وإلى عنوان لصراع المشاريع الإقليمية ..فضلا عن عسكرة الصراع وتحوله من مشروع (ربيع أخضر) إلى (خريف أحمر) وما ولد لدى جماهير المنطقة من نفور وتوجس من كل ما له علاقة بمفهوم (الحراك) ودينامية التغيير .
من هذا المنطلق ، لابد من مقاربة موضوع (الحراك الشعبي المغربي) من فوق لا من تحت ، أي نزولا من السياق الدولي إلى الإقليمي فالمحلي ، إذ لا يمكن عزل أي حدث سياسي داخلي عن مجريات الأحداث في المنطقة والعالم ، ليبقى (الاستثناء المغربي) في الصيغة السياسية لاحتواء تأثيرات الفاعل الدولي والإقليمي لا من خلال الإفلات من قانون التفاعل والتأثير بين حلقات المشهد (دوليا ، إقليميا و محليا ) .


أولا : في السياق الدولي : إن المشهد الدولي يتميز بتغيرات استراتيجية كبرى ، حيث أننا نخرج تدريجيا من مشهد دولي أحادي القطب إلى مشهد متعدد الأقطاب يبرز فيه حضور القوى الآسيوية كروسيا والصين إلى جانب أوروبا وأمريكا ، كما أن التدخلات الأمريكية في المنطقة قد تغير شكلها السياسي والعسكري حيث انتقلنا من مرحلة التدخل العسكري الأمريكي المباشر إلى مرحلة التدخل غير المباشر بينما خرجت روسيا من مرحلة الانكفاء الذاتي إلى التدخل المباشر في العديد من المناطق مثل شرق أوكرانيا وسورية ..فلئن كان التدخل غير المباشر الأمريكي قد شجع حلفاءها الإقليميين على التحرك لملأ الفراغ وقطع الطريق على القوى غير الحليفة للغرب ، غير أن الدخول المباشر الروسي قد ضيق من هامش الحركة والمناورة لهذه الأطراف الإقليمية وجعلها وجها لوجه أمام تنامي الدور الروسي في المنطقة .


ثانيا : في السياق الإقليمي : ونقصد بالإقليم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، وهو حديث ينقلنا بالضرورة للوقوف على المشاريع الإقليمية الثلاث ( المشروع الإيراني ، المشروع السعودي الإماراتي ، المشروع القطري التركي ) ، وقد تراجع على مستوى الشرق الأوسط حضور المشروع التركي القطري وانحصر الصراع هناك بين المشروعين الإيراني والسعودي ..غير أن المشهد بشمال إفريقيا مختلف حيث أن الصراع القائم هو فقط بين مشروعين ( السعودي الإماراتي و التركي القطري) ، وهو ما نقف عليه في مصر التي يدعم فيها السعوديون والإماراتيون نظام السيسي في مواجهة الإخوان المسلمين وفي ليبيا حيث دعم السعوديون والإماراتيون ومعهم السيسي الجنرال حفتر والكتلة العلمانية بينما تدعم تركية وقطر إخوان ليبيا ، وفي تونس تعمل السعودية والإمارات على دعم حزب نداء تونس وحكم السبسي بينما يدعم الأتراك والقطريون إخوان النهضة ..وفي موريتانيا تدعم تركية وقطر إخوان موريتانيا بينما اتجه رئيس موريتانيا إلى دعم السعودية لتثبيت موقعه في الحكم .



ثالثا : في السياق المحلي : لقد استطاع المغرب في مرحلة حراك 2011 أن ينتج صيغته السياسية لاحتواء تأثيرات الفاعل الدولي والإقليمي على المشهد المحلي من خلال تعديل الدستور وتشكيل حكومة يقودها إخوان العدالة والتنمية قطعا للطريق على إخوان العدل والإحسان وامتصاصا لضغط المشروع التركي القطري على المنطقة وسيطرته على مصر وتونس وأجزاء من ليبيا ..غير أن تحولات صورة الحراك في المنطقة عموما وعسكرته وارتسامه بطريقة دموية في وعي الجمهور ، فسح المجال أمام المشروع السعودي الإماراتي لاسترجاع ما فقده إبان حراك 2011 ، فتمت إزاحة إخوان مصر لفائدة السيسي وإخوان تونس لفائدة السبسي ولن يكون إخوان العدالة والتنمية بالمغرب بمنأى عن هذا السياق ، حيث سيتم إيجاد جهة سياسية مناقضة للتوجه الإخواني ودعمها سعوديا وإماراتيا كما سيتم استثمار الأخطاء السياسية القاتلة لحكومة بن كيران لتأجيج حراك شعبي اصطلحنا عليه من قبل ب (الموجة الثانية من التغيير) وهي شبيهة بالموجة التي أتت بكل من السيسي والسبسي للحكم بمصر وتونس .
إننا إذ نتحدث عن (الموجة الثانية من الحراك) في المغرب فإنه ينبغي التذكير بأن ما تعيشه مصر وتونس الآن يدخل في إطار الموجة الثالة لا الثانية ..وكل ذلك لا يعني أن الحراك الشعبي بالمغرب لا يملك شروطه الذاتية أو يستند كليا على الفاعل الإقليمي بل إن السياسات اللاشعبية لحكومة العدالة والتنمية وانحيازها ليمينيتها بدلا من إسلاميتها ساهم في تأجيج الغضب الشعبي من الطبقة المتوسطة والفقيرة ، فضلا عن عدم وفاء الحكومة ببرنامجها السياسي والاقتصادي بالتصدي للفساد الذي تعايشت معه على قاعدة ( عفا الله عما سلف) و (ما فراسيش) .


وأخيرا ، نستطيع أن نجيب باختصار عن مآلات الحراك الشعبي ، بالقول أن الحراك الحالي سيكون له تأثيراته السياسية على مستقبل الحكومة لا الحكم ، لأن حكومة العدالة والتنمية لا تملك القرارات الاستراتيجية للحكم في مجالات الأمن والدين والسياسة الداخلية والخارجية ، لكن لا أعتقد أن هذا الحراك سيسقط الحكومة بل سيضعفها كتمهيد لعملية إسقاطها ديموقراطيا لفائدة حكومة قادمة قد تترأسها الأصالة والمعاصرة بعيدا عن العدالة والتنمية أو من خلال ائتلاف يحجمها كما حجم السبسي حركة النهضة في تونس رغم وجودها ضمن الائتلاف الحاكم .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق