الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


وثاقة المحدث وضعف متن الحديث





تاريخ النشر: 2016-01-20 19:22:00

عدد القراءات: 676


مشكلة وثاقة المحدث وضعف متن الحديث

الشيخ حسن بن فرحان المالكي


أكثر ما يضرنا هي تلك الأكاذيب التي تصلنا بأسانيد صحيحة؛ وأكثر ما نخسره هي تلك الحقائق التي تصلنا بأسانيد ضعيفة! والأمران جاءا نتيجة رأي عام ساد في الماضي؛ ثم أحدث فتنة؛ وهي أنتجت ثقافة يُؤتمن فيها الخائن ويُخون الأمين، ويُصدّق الكاذب ويُكذّب الصادق.
لا تسألوني عن الأمثلة؛ فهي ملء السمع والبصر، من أحاديث وروايات تاريخية وغيرها..
لعبت بنا الرواية التي لم تخضع لمعايير علمية في الغالب.
العامة مشكلتهم مشكلة؛ ففي بداية أي حوار يقولون اعطنا مثالاً واحداً،! يظنون الإنصاف سهلاً؛ ثم لا يزعزع ثقتهم بالأوهام التي في عقولهم ألف مثال؛ الأكاذيب المروية بأسانيد صحيحة تملأ الكتب؛ لأن التصحيح فرع التوثيق؛ والتوثيق - في معظمه - توثيق مذهبي يراعي الجماعة وآراءها؛ وهو باق إلى اليوم؛ كما أن الجرح فرع مذهبي أيضاً. جرح رجال الجماعات الأخرى وهجر مروياتها حتى أصبح الانقطاع التام بين المذاهب والجماعات مع القرن الرابع.
لن أطيل؛ سأذكر مثالاً أو مثالين واضحين، وإن كانت العامة لا يكفيها ألف مثال؛ بينما يكفيها في تضعيف الخصوم نصف كذبة أو نصف مثال.
أمرنا لله.
من تلك الأكاذيب المروية بأسانيد صحيحة؛ ما رواه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه [ 7 - 529 ] : حدثنا غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم أنه سمع أباه قال رأيت عبد الرحمن بن عوف بمنى محلوقا رأسه يبكي؛ يقول ما كنت أخشى أن أبقى حتى يقتل عثمان)!
فالسند صحيح على شرط الشيخين! ولكن الرواية باطلة منكرة، لأن عبد الرحمن بن عوف مات قبل عثمان بسنوات؛ وبالإجماع؛ والهدف منها إثبات أنه لم يحدث خلاف بين عثمان وعبد الرحمن! ومن قرأ التاريخ يعرف أن الخلاف بين عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان كان شديداً، لأن عبد الرحمن رأى أن عثمان قد نقض شرط بيعة الشورى. وكان الناس يحرجون عبد الرحمن بن عوف بكثرة معاتبتهم له لأنه كان هو الذي أدار الشورى واشترط على عثمان السيرة بسيرة الشيخين، ومن هنا اختلفا.
واختلاف عبد الرحمن بن عوف وعثمان أثبته أكثر المتحرجون، كالإمام أحمد مثلاً؛ فروى في المسند اتهام عبد الرحمن لعثمان بترك سنة عمر وأقر عثمان؛ المقصود هنا؛ أن خلاف عثمان وعبد الرحمن بن عوف في آخر ست سنوات من خلافة عثمان كان كبيراً، فربما احتاج بعض أحفاده للعمل مع بني أمية فوضع هذا؛ وبما أن ذلك الحفيد قد تولى القضاء وصار له زعامة وأصبح من الصعب تضعيفه، فالكبار لا يُضعفون، وخاصة إذا ساروا مع الرأي العام، فصح الإسناد!
هذه هي القصة ببساطة.
صدقوني تحدث بهذه البساطة، وربما أكثر. فالجرح مفتوح العينين على من خالف الرأي العام، ومن النادر جداً فحص المتفق معه.
مثال آخر:
بما أن الزيدية كان لهم رأي سيء في عثمان، وكان لهم صولة في الكوفة في القرن الثاني والثالث، فما الحل عند أهل الأسانيد الصحيحة؟
الحل سهل!
أن يضعوا رواية بإسناد صحيح بأن زيد بن علي المولود بعد عثمان بخمس وأربعين سنة كان من الباكين على عثمان يوم الدار! أي يوم مقتله!
اقرأ: في السنة لأبي بكر بن الخلال الحنبلي جامع علوم أحمد - (ج 1 / 465) قال: حدثنا عبد الملك ، قال : ثنا أحمد بن حنبل ، قال : ثنا وكيع عن فطر ، عن زيد بن علي ، قال : « كان زيد يوم الدار يبكي على عثمان » انتهى.
وهكذا؛ عشرات بل مئات بل آلاف الروايات تسير على هذا النحو.
لو لم يمت عبد الرحمن قبل عثمان – إجماعاً - ولو لم يولد زيد بن علي بعد عثمان- إجماعاً - لما استطعنا تضعيف هذه الأكاذيب المروية بأسانيد صحيحة. والسؤال:
كم من الأكاذيب المروية بأسانيد صحيحة لا نستطيع تضعيفها لأننا تورطنا بأن زمنها لا يساعدنا على تضعيفها براحة تامة كما أفعل الآن؟
الحل ما هو؟
الحل في البحث؛ في الشك في صدق الموثقين؛ والشك في ضعف الضعفاء؛ حتى نضع معايير لاختبار أحكام أهل الحديث عليهم؛ هل هي صحيحة أم لا؟
وهذا مشروع ثقافي كبير؛ هو مشروع أمة؛ ولكن الأمة مغتبطة بالأوهام، ولم تحصل على هذه الأوهام المريحة إلا بتعب شديد؛ ولن تبحث عما يعكر مزاجها.
الغبطة بالجهل - حسب تعبير أستاذنا إبرهيم البليهي - مازال على أشده؛ الأمة مرتاحة جداً من هذا السبات العميق!
(من منشوراته على صفحته الرسمية ليوم 08 يناير 2016)







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق