الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


حوار السبت : منشأ الاختلاف بين المناهج الإسلامية





تاريخ النشر: 2016-01-09 13:30:00

عدد القراءات: 759


حوار السبت مع السيد عصام الحسني


منشأ الاختلاف بين المناهج الإسلامية

حاورته : فاطمة الموسوي




فاطمة الموسوي : طيب ، ما هي طبيعة الاختلاف بين المناهج(المذاهب) الإسلامية ؟


عصام الحسني : إن الاختلاف بين المناهج الإسلامية له ثلاث مستويات : مستوى أول يتعلق بثبوت النص وثان في دلالات النص وثالث في مدى ثبات النص وتغيره لجهة إمكان الاجتهاد بموازاته أو من داخله أو عدم ذلك كله .


فاطمة الموسوي : أرجو منكم أن توضحوا لنا بشيء من التفصيل هذه المستويات الثلاث للخلاف .


عصام الحسني : إنني أقصد بمستوى ثبوت النص ذلك الخلاف القائم حول صدور الحديث عن النبي ص أو عدمه ، وأيضا مدى درجة اعتبار ذلك الحديث وعدمه ، فالنقاش بهذا المستوى حول إن كان الحديث الذي يرويه هذا المنهج أو ذاك معتبرا أو غير معتبر ، وإن كان معتبرا فما درجته في عالم الاعتبار ( صحيح ؟ حسن ؟ ..) وكما قلت سابقا فإن هناك أحاديث موضوعة ومكذوبة على رسول الله ص ليس لها اعتبار أصلا ، لكن قد يعتبرها الفريق الآخر من المسلمين ، فينشأ تبعا لذلك خلاف في مدلولات تلك الأخبار ، كما أن أخبارا قد تكون معتبرة لكن قد تكون معارضة لأخبار أخرى أقوى في درجة الاعتبار .
وفي المستوى الثاني للاختلاف نجد الاختلاف الدلالي للنص ، فالنص الديني ككل سواء كان قرآنا أو سنة هو في بنيته اللفظية مركب لغوي ، واللغة تتضمن ألفاظا مختصة ومشتركة تختلف الدلالة فيها تبعا لذلك ، وهذا ما جعل القرآن وهو أقوى نص ديني يتضمن بدوره مستويين من الدلالة : المحكم والمتشابه ، فالمحكم ما أحكمت دلالاته ومعانيه وهو ذلك المركب اللغوي الذي تضمن ألفاظا مختصة لا اشتراك فيها ، بينما المتشابه هو ما تشابهت دلالاته ومعانيه بسبب تركيبته اللغوية واحتوائه على ألفاظ مشتركة تحتمل أكثر من معنى ولا يتعين المراد فيها إلا من خلال إحالة الدلالات المتشابهة إلى الدلالة المحكمة في النص الآخر ليكون بذلك النص المحكم (بفتح الكاف) في ذاته محكما (بكسر الكاف) أيضا لغيره من النصوص .


فاطمة الموسوي : قضية المحكم والمتشابه في القرآن ثابتة بنص القرآن لكن ماذا عن السنة النبوية؟


عصام الحسني : إن هذا الأمر ينطبق أيضا على السنة ففيها نصوص محكمة الدلالة قطعية المعنى وأخرى متشابهة الدلالة ظنية المعنى ، تحال على محكم السنة والقرآن كي يحكمها (بكسر الكاف)، وكمثال على ذلك أن حديثا يقول ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا مناديا ينادي ..) ، فهذا النص قد يناقش في مستواه الأول (ثبوتا) وقد نسلم جدلا بصحته فنناقشه في مستواه الثاني (إثباتا ودلالة) فنقول أن النزول هو حركة وانتقال من الأعلى إلى الأسفل وهو ما يلزم منه خلو مكان من الله والله لا يخلو مكان منه ، فيكون النص بحاجة إلى تصويب دلالي وقد جاء في نصوص أخرى مشابهة أن الله تعالى ينزل (بضم الياء) ملكا إلى السماء الدنيا ، فيكون هذا النص حاكما على النص الأول ، لنكتشف أن المشكلة الأساس هي في التشكيل والحركات لأننا لم نتلقى الرواية شفاهيا بل كتابة ، ولتكون القراءة الصحيحة للنص هي : ينزل ( بضم الياء لا بفتحها ) ربنا إلى السماء الدنيا مناديا فيقول ..وعليه يكون المنادي في الرواية الأولى (حال للذات الالهية) وفي الرواية الثانية الاصح (مفعولا به وهو الملك ) ، وتغير الحركات فوق الحروف نجم عنه تغير في طبيعة العقيدة ، حيث ظهر في المسلمين من يعتقد بتجسيم الله وانبرى لمواجهتهم آخرين أطلقوا على أنفسهم اسم ( المنزهة) أو الموحدين الحقيقيين ، فنشأ الاختلاف الكلامي بين المناهج الإسلامية في هذه القضية وقضايا أخرى.
وأخيرا ، نصل إلى المستوى الثالث والأخير من الاختلاف بين المناهج الإسلامية ، وهو اختلاف يتعلق بمدى ثبات النص وتغيره ، فبعض النصوص وإن كانت ثابتة الصدور وذات دلالة محكمة إلا إنها لا تسلم من الخلاف في المستوى الثالث أي : هل تلك النصوص منسوخة أم لا ؟ وهل تلك النصوص أحكاما شرعية تملك ديمومة أم أنها أحكام ولائية ؟ وكمثال على ذلك الحديث الذي يقول فيه رسول الله ص ( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ..) فهذا يثبت أن نص النهي عن زيارة القبور نسخ بهذا النسخ الذي فيه أمر بالزيارة ، وعليه فقد تشبث فريق من المسلمين بالنص المنسوخ وحرم زيارة القبور بينما تشبث الفريق الآخر بالحديث الناسخ وقال بوجوب الزيارة ولو مرة واحدة في العمر مثل ما قال ابن حزم الظاهري أو استحبابها دائما .
أيضا نجد أمثلة أخرى على الاختلاف في (ثبات النص) رغم الاتفاق على (ثبوته نصا وإثباته معنى) وكمثال على ذلك نجد موضوعا فقهيا خلافيا وهو (الزواج المؤقت) ففي رواية همام عن قتادة عن أبي نضرة عن جابر رضي الله عنه، قال: (إن ابن الزبير ينهى عن المتعة وإن ابن عباس يأمر بها، قال: على يدي جرى الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر رضي الله عنه فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرسول وإن هذا القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما؛ إحداهما: متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة، والأخرى متعة الحج افصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم )( رواه البيهقي وأخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همام ) وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه قال: " حدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قصة عمرو بن حريث المشار إليها في هذا الحديث قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج 9 ص 172 : أخرجها عبد الرزاق في مصنفه بهذا الإسناد عن جابر قال : ''قدم عمرو بن حريث الكوفة فاستمتع بمولاة، فأتى بها عمر وهي حبلى فسأله فاعترف ، قال : فذلك حين نهى عنها عمر''. اهـ كلام الحافظ، وما ذكره في ج7 في مصنف عبد الرزاق، ص: 500 كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث ) .
إن النص الذي بأيدينا يثبت بشكل واضح أن الخليفة عمر بن الخطاب هو من حرم الزواج المؤقت وكذا متعة الحج بحيث ألغى الجمع بين العمرة والحج ، ولعل المقصود بعبارة ( كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما) هو النهي بمعنى المنع الإداري لا التحريم الشرعي بدليل أنه جاء في روايات أخرى كثيرة ( حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث) وأيضا لأن القرآن استعمل لفظ التحريم في الدلالة على الامتناع لقوله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم ) ( التحريم ،آية1) ومن المعلوم أن النبي ص امتنع عن شرب عسل زينب بنت جحش ولم يحرمه شرعا ، وعليه فإن الصحابة اعتبروا منع عمر عن الزواج المؤقت منعا إداريا غير أت منهج مدرسة الخلافة ظن أن الأمر حكم شرعي ، والدليل أنهم عدلوا عن تحريم عمر بن الخطاب عن حج التمتع وأجازوه بعد ذلك ، غير أن التعصب الطائفي قد يكون سببا في الإصرار على القول بأن هناك حكم شرعي بتحريم الزواج المؤقت .
إذن الاختلاف بين المناهج الإسلامية هو اختلاف في النص على مستوياته الثلاث ( الثبوت ، الإثبات ، الثبات ) ، وهو اختلاف بين المحمديين من داخل الشريعة المحمدية لا خارجها ، واختلاف عن النبي محمد ص وليس اختلافا فيه ، فقد قال لعلي سلام الله عليه بعض اليهود : (ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه) فقال سلام الله عليه :إنما اختلفنا عنه لا فيه ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق