الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


التعددية المذهبية ضرورة إنسانية وحتمية تاريخية





تاريخ النشر: 2015-12-26 13:40:00

عدد القراءات: 1197



حوار السبت مع السيد عصام الحسني :

التعددية المنهاجية(المذهبية) ضرورة إنسانية وحتمية تاريخية



حاورته : فاطمة الموسوي












فاطمة الموسوي : أهلاً بك مجدداً سماحة السيد عصام الحسني في" حوار السبت " لاستكمال حلقة ( الدين و المذهب)


عصام الحسني : أهلا وسهلا بكم وأشكرك على الحوار .
فاطمة الموسوي : ما تفضلتم به هو كلام جميل من أن الإسلام مفهوم شامل و أن الإسلام ليس حكرا علينا نحن أتباع النبي محمد (ص)، لكن سماحة السيد كيف نميز المسلمين "المحمديين" و ماذا نسمى شريعة المحمديين " شريعة محمد " مثلا ؟؟


عصام الحسني : إن الإسلام كان العنوان الشامل في المرحلة العقائدية العامة منذ أن بعث الله الأنبياء والمرسلين ، وصار هذا العنوان العقائدي العام أيضا عنوانا مليا خاصا بالملة الإبراهيمية الحنيفية التي استوعبت الشرائع السماوية لموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام .


فاطمة الموسوي : أليس مصطلح الإسلام و المسلمين هو الشائع ؟


مما لاشك فيه أن رسول الله محمد ص حملت شريعته أيضا اسم (الإسلام) وهو تأكيد لأمرين:أولهما الانتماء للخط العقائدي العام لكل الأنبياء والمرسلين ، وثانيهما : الانتماء للخط الملي العام لإبراهيم الخليل ع ، وهذا معناه أننا مسلمون عقديا ومليا وشرائعيا ، وهنا تكمن الميزة الاستثنائية لهذا الخط المحمدي الذي قال عنه الله تعالى ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) ، فهذا الخط المحمدي مصدق لما قبله من الخطوط ومهيمن عليها بما مثله من قيمة مضافة كما ونوعا في المستوى التشريعي


فاطمة الموسوي : وهل نحن مطالبين بنشر المفهوم الصحيح لمصطلح الإسلام ؟


عصام الحسني : إن علينا أن نؤكد العنوان الإسلامي في المستوى العقائدي عند الدخول في حوار مع المؤمنين بالله ليكون الأساس الذي نحتكم له ، كما علينا أن نؤكد العنوان الإسلامي في المستوي الملي عندما يتعلق الأمر بالحوار بين أبناء الملة الإبراهيمية الواحدة سواء تعلق الأمر باليهود أو النصارى ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) ، وعلينا أخيرا أن نؤكد العنوان الإسلامي في المستوى التشريعي عندما يتعلق الأمر بالحوار بين أتباع المناهج (المذاهب) الإسلامية ، لتكون مصادر التشريع ( القرآن والسنة) الأساس الذي نرجع له ونحتكم إليه ، فالله تعالى علم أن المسلمين بعد رسول الله ص سيختلفون في المستوى المنهجي(المذهبي) ، خاصة في القضية المتعلقة بالولاية بعد رسول الله ، فهو القائل في سورة النساء : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59) ففي البداية قال (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) واستعمل كلمة (أطيعوا) لله وللرسول وعطف طاعة أولي الأمر على طاعة الرسول ، أي أن ولاية ولي الأمر متفرعة عن ولاية الرسول ،وافترض أن تنازعا سيحدث بين الذين آمنوا في (شيء) والمرجع في حسم ذلك النزاع هو الرد إلى الله والرسول ولم يرده إلى ولاية الأمر بما يوحي بأن تلك الولاية ستكون محل نزاع بين الذين آمنوا .


فاطمة الموسوي : كيف نشأت المذاهب الإسلامية " المناهج الإسلامية " و ؟هل هناك ضرورة لتعددية في المذاهب بدلاً من التوحد في منهج أو مذهب واحد؟


عصام الحسني : إن ما يقال أنها (سنة نبوية) ليست كلها كذلك ، بل هي تراث إسلامي فيه ما هو سنة وما هو بدعة ، ما هو أصيل وما هو دخيل ، ما هو قويم وما هو سقيم ، ما هو قطعي وما هو ظني ومتوهم ، فقد نشأ الاختلاف في نقل السنة النبوية وفهمها على عهد رسول الله ص وليس بعد وفاته كما هو رائج ، فقد كذب على رسول الله ص في حياته ونسب له ما لم يقله فقام رسول الله ص في الناس خطيبا وقال ( أيها الناس قد كثر علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وقد استثمر حكام الجور هذه الحالة لتوظيف وضع الأحاديث في تثبيت حكمهم وفرض سلطتهم على الناس .
وإن كان ما تقدم يدخل في نطاق (عدالة الراوي ) لكن في المقابل هناك أسباب أخرى تتعلق بتفاوت الإدراكات الذهنية لناقلي السنة النبوية وهو يصطلح عليه ب (ضبط الراوي) وكذا تفاوت مرتبة القرب والملازمة لرسول الله ص وهو أمر مؤثر في معرفة الراوي بسياق الحديث وكل حيثياته الزمانية والمكانية والأشخاصية والأحوالية ، وبالتالي في تمييز الحديث الخاص عن الحديث العام ، والحديث الناسخ عن الحديث المنسوخ .
قد يعتقد البعض أن مشكلة الاختلاف في نقل السنة هي مشكلة متصلة فقط بنقل السنة النبوية بينما هي مشكلة عامة تشمل حتى ناقلي الحديث عن الصحابة والخلفاء والأئمة من أهل البيت ع ، الذين لم يكونوا معصومين ولا في مستوى واحد من التجرد والإخلاص والفهم والملازمة للمحدث أيا كان ذلك المحدث صحابيا أو خليفة أو إماما من أئمة أهل البيت عليهم السلام .
وأخيرا هناك عامل آخر لاختلاف المناهج (المذاهب) وهو تفاوت الشروط والقواعد الاجتهادية بين المسلمين ، لكون النصوص الدينية محدودة من الناحية الكمية ، بينما الوقائع والمستحدثات في تناسل دائم مع استمرار صيرورة الواقع وتحولاته ، ومن هنا تكمن الحاجة التوليدية للأحكام الفقهية من القواعد والنصوص الكلية ، وهي حاجة لا تتأسس فقط عند وفاة الرسول أو غياب الإمام بل هي حاجة ضرورية حتى في ظل وجود الرسول والإمام ، لأن الوجود النبوي والإمامي وإن كان مغطيا لنطاقه الوقتي غير أنه لم يكن مغطيا بالضرورة لنطاقه المكاني ، فبحسب الرواية السنية فإن الصحابي معاذ بن جبل الذي ذهب لليمن كان مضطرا بحكم صعوبة التواصل مع النبي ص إلى أن يقوم بعملية اجتهادية للإجابة عن الحاجات الفقهية لمسلمي اليمن وكذلك الأمر في عصر أئمة أهل البيت ع فبحسب الرواية الشيعية عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله الصادق ع أنه قال لأصحابه ( إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم التفريع ) ، وعليه يكون الاجتهاد بما هو حركة تفريع من الأصول والقواعد الكلية حالة ثابتة في ظل وجود النبي والإمام وأيضا في غيابهما .
ختاما ، نقول إن التعددية المنهاجية (المذهبية) ضرورة إنسانية وحتمية تاريخية ، وكل محاولة لتنميط وعي المسلمين وفق قوالب محددة سلفا هي محاولة فاشلة ومخالفة للفطرة وطبيعة الأشياء ، وعلينا أن نعي ذلك ونقوم بالبناء عليها كمعطى ثابت يجب التعامل معه بمنطق إدارة الحوار وتدبير الاختلاف وتسييج النزاع بضوابط أخلاقية ومدنية .

(يتبع)







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق