الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الدين والمذهب





تاريخ النشر: 2015-12-19 10:18:00

عدد القراءات: 1001


سلسلة شبهات وردود
(1)
حوار السبت مع السيد عصام الحسني



(الدين والمذهب)









السيد عصام الحسني : لا نتحدث باسم الإسلام ولسنا المسلمين الوحيدين في هذا العالم،وكل من يؤمن بغير ذلك فهو جاهل بمنطق الدين والقرآن معا ..





فاطمة الموسوي : السيد عصام الحسني ، بداية اسمح لي أن أرحب بسماحتكم ، فأهلا بك في (حوار السبت) المخصص للشبهات والردود عليها ، ونفتتح هذه السلسلة الحوارية اليوم بمحور (الدين والمذهب) ، حيث تثار العديد من التساؤلات ومنها :
1- ما هو الدين ؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الدين الإسلامي وباقي الأديان السماوية ؟



السيد عصام الحسني : إنني أعتقد أن خلطا كبيرا قد حصل في وعي المسلمين على مستوى الاصطلاحات والمفاهيم الإسلامية ومنشأ ذلك عدم قراءة القرآن الكريم كوحدة موضوعية واحدة وهيمنة المنهج التجزيئي في تفسير القرآن الكريم وقد تنبه لذلك مبكرا السيد الشهيد محمد باقر الصدر رض وترك لنا بحثا قيما بعنوان ( التفسير الموضوعي والتجزيئي للقرآن الكريم ) .
في اعتقادي أنه بالمنطق القرآني نحن أمام أربع مستويات من الإسلام :
- المستوى الأول ( الدين الإسلامي) .
- المستوى الثاني ( ملة المسلمين ) .
- المستوى الثالث ( الشريعة الإسلامية) .
- المستوى الرابع ( المناهج الإسلامية ) .



بالعودة إلى كتب العلماء المتقدمين نجد أن هناك تخبطا في ضبط الحدود بين المفاهيم الثلاث ( الدين ، الملة ، الشريعة ) ، فالسمعاني اعتبر أن الملة هي شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله ، بينما ذهب الماوردي إلى التمييز بين الملة والشريعة على نحو العموم والخصوص المطلق إذ جعل كل دين ملة وليس كل ملة دين أي أن الدين أعم مطلقا من الملة والملة أخص مطلقا من الدين ، لكنه تناقض في تعريف كل من الدين والملة إذ اعتبر الدين بمثابة معتقدات الناس تقربا إلى الله بينما الملة هي ما شرعه الله ، فصار مفهوم الملة لديه مرادفا للشريعة وهو في نظري خطأ وقع فيه الماوردي .
عموما أعتقد أن مفهوم الدين واحد بينما هناك تعددية في مجال الملة والشريعة ، فلم ترد آية واحدة في القرآن الكريم تتحدث عن وجود (أديان) ولم يرد ذكر الدين إلا في إطار الوحدة ( إن الدين عند الله الإسلام ) و ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وقد يقول قائل بأن الإسلام كدين ارتبط بإبراهيم الخليل ع لقوله تعالى ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) ، لكن لو عدنا للقرآن الكريم فإننا سنجد أن نوحا عليه السلام حلقة هو بمثابة حلقة تاريخية ضمن حلقات هذا الدين الذي يصل أنبياء الله والمرسلين ، لقوله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب . وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (سورة الشورى ، آية 13 ، 14) فإن كان الدين عند الله الإسلام ووصى الله به نوحا الذي سبق إبراهيم ع فهذا يعني أن الدين أقدم من إبراهيم ونوح عليهما السلام وهو منظومة عقائدية توحيدية تعهدها الأنبياء والمرسلون من خلال تذكير الناس بها وتأكيدها في وعيهم.



في المستوى الثاني للإسلام نقف على الملة الإسلامية وهنا لابد من افتراض التعددية في الملل ، لأن الله تعالى يتحدث عن ملة إبراهيم ع وهو ما يوحي بوجود ملل أخرى غير ملة إبراهيم ع ، ولو عدنا لمصطلح (الملة) (بفتح الميم) نجد الكلمة تحيل على التراب الحار والرماد ..وهو ما يشير إلى الطين وإلى تلك العلاقات الترابية بين المجموعات البشرية ، وبالتالي فنحن أمام مفهوم (سوسيولوجياجتماعي) وليس بالضرورة مفهوما (ثيولوجياإلهيا) بمعنى (الجماعة) وليس بمعنى (الشريعة) ، ولذلك قال الله تعالى (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) ( سورة الحج ، آية 78 ) فالآية أشارت إلى العلاقة النسبية الترابية من خلال لفظ (أبيكم ) كما أن الآية أشارت للملة بوصف (المسلمين) وليس بوصف (الإسلام) اي ليس ملة الإسلام بل ملة المسلمين ، فالإسلام اقترن بالدين بينما اقترن المسلمون بالملة ، لهذا قلنا أن هناك مستوى (الدين الإسلامي) و مستوى آخر وهو ( ملة المسلمين) ، فملة المسلمين هي الجماعة المسلمة المتمحورة عقديا حول الدين الإسلامي والحاملة لتسمية (المسلمين) التي أطلقها إبراهيم الخليل ع لتشمل بذلك أتباع الشرائع السماوية المتصلة بالخط الإبراهيمي العام .



نصل بعد هذا إلى المستوى الثالث وهو ( الشريعة الإسلامية) ، وهو مستوى أيضا مشمول بالتعددية مثل مفهوم (الملة) خلافا لمفهوم (الدين) ، لذلك قال الله تعالى ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48] ، فقوله تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) يعني أننا أمام تعدد في الشرائع كشريعة موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام وما يتفرع عن كل شريعة من (مناهج) كمنهج أهل البيت ومنهج الخلفاء المتفرعين من الشريعة المحمدية ..



في المستوى الرابع والأخير ، لا يعقل أن يكون لفظ (المناهج) مرادفا ل (الشرائع) للزوم ذلك التكرار الواجب تنزيه القرآن عنه فضلا عن كون العطف يكون بين متغايرين (المعطوف والمعطوف عليه ) مما يقتضي التغاير بين مفهومي ( الشريعة) و (المنهاج) ، فالمناهج هي ما يتم التعبير عنه اليوم بمصطلح (المذاهب) ، وإني أفضل أن نستعمل مصطلح ( المناهج الإسلامية) بدل ( المذاهب الإسلامية) حفاظا على قرآنية المصطلح وأصالته ، وأيضا لورود أحاديث كثيرة عن أهل البيت ع فيها ذم لمفهوم (المذهبية) كقول الإمام محمد بن علي الباقر سلام الله عليه ( لا تذهب بكم المذاهب ، فوالله ما شيعتنا إلا من أطاع الله عز وجل (الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 73) أو كقول علي سلام الله عليه في نهج البلاغة (أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ وَتَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ ) ( نهج البلاغة ن في كلام له عليه السلام عن فتنة بني أمية).



وأخيرا أجيبك على سؤالك فأقول إن الدين هو الرؤية التوحيدية للعالم وهي واحدة لا تتعدد ، بينما الملة هي مفهوم عضوي اجتماعي وحاضنة سوسيولوجية للدين والشرائع وهي قابلة للتعدد ، وأما الشريعة فهي الإطار الفقهي والسلوكي لتجسيد تلك المنظومة العقدية (الدين)،وبالتالي فإن الحديث عن حوار أديان هو كلام لا معنى له ، إذ أن الاختلاف هو حاصل في الشريعة لا في الدين ولا حتى في الملة ، وعليه يكون الصحيح أن نقول ( حوار شرائع ) لا ( حوار أديان ) ولا (حوار ملل) لأن الشريعة المحمدية تلتقي مع الشريعة الموسوية والعيسوية في الدين التوحيدي الواحد ( الإسلام) والملة الإبراهيمية الواحدة (المسلمين) لقوله تعالى { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلما} ( آل عمران ، 67) التي جاءت ردا على من ادعى بوجود دين يهودي وآخر نصراني يستمدان مرجعيتهما من الخط الإبراهيمي { وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا}(البقرة ، 135) فاللإسلام دين أعم من اليهودية والنصرانية والشريعة المحمدية كما أن أقرب الشرائع لدين وملة إبراهيم الخليل ع هي تلك التي اتبعته حقا لقوله تعالى { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا واللّه ولي المؤمنين}(آل عمران ،68) ، لتكون المحصلة : أننا لا نحتكر الإسلام ولسنا المسلمين الوحيدين في هذا العالم ، وكل من يؤمن بغير ذلك فهو جاهل بمنطق الدين والقرآن معا ، وبعيد كل البعد عن المنهج الرسالي الأصيل .

( يتبع )







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق