الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


عندما يسكن شيطان الخصوصية تفاصيل الكونية





تاريخ النشر: 2015-12-10 18:18:00

عدد القراءات: 648


على هامش اليوم العالمي لحقوق الإنسان :



"عندما يسكن شيطان الخصوصية تفاصيل الكونية"

عصام الحسني





بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان ، أحب أن أذكر من يهمه الأمر في هذا الوطن بما يلي:
تَنُص المادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة" .
ونص تصدير الدستور المغربي على أنه ( وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها، من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالميا ) .
وأضع خطين تحت عبارة ( كما هي متعارف عليها عالميا ) كي يكف فلاسفة الرجعية والاستبداد عن التذرع ب (الخصوصية في مجال حقوق الانسان ) لاجل تبرير الاستبداد والعدوان على حرية وكرامة الانسان .
بل إني أحيلهم على عبارة أخرى شارحة ومفصلة تقطع دابر التأويل الفاسد للنص الدستوري :
‎(حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما ، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء : حظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان ) .
لكني مع ذلك أشهد أن شيطانا بل شياطينا تسكن في تفاصيل الدستور الذي تمت مراجعته إبان الحراك العشريني بالمغرب ، حيث نقف على العبارة (اللغم) التي ارتأى شياطين الرجعية والاستبداد أن يسكنوا في ثناياها ابتغاء التأويل الفاسد للدستور ، إذ نص الدستور على : ( جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة.
يُشكل هذا التصدير جزءا لا يتجزأ من هذا الدستور ) .
إن شيطان الخصوصية يتذرع بعبارة ( ..وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية ..) لإفراغ المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان من محتواها التقدمي ، ليعيدنا إلى المربع الأول (مربع الخصوصية) ولو قبلنا بتلك التأويلات فإنه سيكون لا معنى لعبارة ( كما هو متعارف عليها عالميا ) ولا معنى أيضا لعبارة ( مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزيء ) ، كما لو أن المشرع الدستوري يأخذ بيد ما يعطيه بيد أخرى ويمارس الخداع .
إنني أدعو إلى قراءة النص الدستوري قراءة عميقة كي ينجلي الغموض الذي خلفته الصياغة غير الدقيقة للنص، فالمشرع الدستوري يتحدث عن الاتفاقيات الدولية في مستوى ما قبل مرحلة التصديق وفي مستوى ثان ضمن مرحلة ما بعد التصديق والنشر ، فقبل التصديق تختار المملكة المغربية ما ينسجم مع الأحكام العامة للدستور ( أي الملكية والإسلام والوحدة الترابية والاختيار الديموقراطي) وأيضا ما ينسجم مع القوانين وهويته الوطنية ، وهو ما يعني أن المغرب يستحضر الخصوصية في مرحلة ما قبل التصديق (جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة ) على المعاهدات والاتفاقيات الدولية لكنه بعد أن يقوم يتصديقها ونشرها يصبح ملتزما بسموها على التشريعات الوطنية ومطالبا بملاءمة تلك التشريعات مع ما التزمت به المملكة على مستوى الاتفاقيات الدولية ( تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة ) .
إن القوى الحداثية تجد في عبارة ( في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة) عائقا أمام التحديث التشريعي لمنظومة حقوق الإنسان بالمغرب وقد تتطلع إلى تعديل دستوري يرفع هذه العقبة الدستورية وينسجم مع عبارة ( مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزيء) ، بينما تتذرع القوى الرجعية بتلك العبارة للتملص حتى من الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب من قبيل ( البروتوكول الاختياري حول حرية المعتقد بجنيف ) أو ( اتفاقية سيداو) ، وهو أمر مناف لمنطوق الدستور الذي يعتبر أنه فور نشر تلك الاتفاقيات المصادق عليها فإن الدولة المغربية تكون قد اعتبرت الاتفاقية غير منافية لأحكام الدستور ولا للتشريعات ولا لهويتها الوطنية الراسخة .
وأخيرا ، إنه لا معنى للتصديق على اتفاقيات دولية في مجال حقوق الإنسان إن كانت هناك عدم رغبة في تنفيذ محتواها وتكييف التشريعات الوطنية بما ينسجم مع مضامينها ، كما أنه من غير المقبول التعاطي بانتقائية مع الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان ، حيث يبدي المجلس الوطني لحقوق الإنسان حماسة للتكيف مع اتفاقية (سيداو) بينما لا يقوم بأي خطوة تذكر في مجال ( حرية المعتقد) وتفعيل مبدأ عدم التمييز على أساسه ، كما ينبغي على الدولة المغربية أن تحسم اختياراتها : فإما أن تؤكد على كونية حقوق الإنسان وفقا للمتعارف عليها عالميا أو أن تنتصر للخصوصية وتدير ظهرها لتلك العهود الدولية ، وإلا فسيبقى شيطان الخصوصية متربعا على تفاصيل نصوص القيم الكونية .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق