الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


مع المستشرق (هنري كوربان)





تاريخ النشر: 2015-10-09 00:36:00

عدد القراءات: 1096


مع المستشرق هنري كوربان
تصدير لترحمة كتاب "تاريخ الفلسفة الإسلامية" لهنري كوربان بتاريخ حزيران 1966، نشر في مجلة العرفان المجلد 54، وفي (منبر ومحراب) في 31/8/1981.

السيد موسى الصدر


الحلقة الأولى

عرفتُ الفيلسوف الفرنسي الكبير أستاذ الفلسفة بجماعة السوربون "هنري كوربان" من خلال ملاحظاته القيّمة ومقدمته الجامعة على كتاب فلسفة الإشراق للشيخ شهاب الدين السهروردي.
عرفته مهتماً بدراسة الفلسفة الإسلامية اهتماماً يشبه الغرام حتى صرَف من عمره في هذا الحقل ما يتجاوز خمساً وعشرين سنة، فأصبح مطلعاً على غوامضها وتاريخها وتطوراتها.
وللمرة الأولى تقريباً من تاريخ دراسات المستشرقين، وجدته متضلعاً بدراسة صدر الدين الشيرازي مؤسس الحكمة المتعالية ومجدد الفلسفة الإسلامية، وقرأت رسالة له فيه قيّمة.
ثم التقى هو مع أستاذي، علاّمة عصرنا السيد محمد حسين الطباطبائي مؤلف تفسير الميزان، فوجدت فيها وفي أسئلته العديدة التي جمعتها مع أجوبة السيد الطباطبائي مجلة "مكتب تشيّع"، وجدت فيها وفي أسئلته عمقاً يفوق مستوى تفكير زملائه المستشرقين، وإخلاصاً في عمله يفرضان على قارئه الإجلال.
وله مع الفيلسوف الشاب المؤمن الدكتور السيد حسين نصر جولات فكرية ومؤلفات مشتركة، ومن يعرف د. حسين نصر وسعة اطلاعه في الثقافة الإسلامية والحضارات التي انتهجتها هذه الأمة طيلة العصور الماضية، من يعرف الدكتور ويعرف احترامه للأستاذ كوربان يشعر باحترامهما احتراماً لا يناله إلا العلماء الكبار..
وللأستاذ المؤلف كوربان مؤلفات قيّمة وملاحظات نفيسة على الكتب الفلسفية، منها: رسالته عن صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) "تعلقيات"، ومقدمة على كتاب "حكمة الإشراق" لشهاب الدين السهروردي، وعلى كتاب "جامع الحكمتين" لناصر خسرو العلوي الفاطمي، وعلى كتاب "كشف المحجوب" لأبي يعقوب السجستاني، وشرح لقصيدة فلسفية لأبي الهيثم الجرجاني.. كنت أعرف ذلك كلّه، ولكن حينما قدّم لي الأخ الفاضل نصير أحمد مروّة كتاب "تاريخ الفلسفة الإسلامية" للأستاذ كوربان شعرتُ بدهشةٍ أمام هذا الجهد العظيم وأمام هذا الإخلاص في الدراسة الفلسفية..
وأنا لا أنسى شعوري بالفرح حينما قال لي الأستاذ نصير أنه مع زميله الأستاذ حسن قبيسي بدأ بترجمة هذا الكتاب، وأنّ دار عويدات سوف تطبع الترجمة وتزيد على مكتبتها الفلسفية الزاخرة ثروة كبرى جديدة.
درستُ الكتاب وتصفحته، خاصةً فيما كتَب عن الشيعة الإثنَي عشرية وفلسفتهم وتصوّفهم وآرائهم، فرأيت أنّ اللازم علينا حينما نقدّم للقارئ العربي الكريم هذا الكتاب أن نذكر ملاحظاتنا عليه، حيث انّ الكتاب يشتمل على أهم المباحث العقيدية عندنا، فلا يجوز عرض هذه المباحث من دون إبداء رأي المذهب فيها.
وقد رحّب الأستاذ أحمد عويدات بهذا الرأي، فكتبتُ هذا الفصل مقدمةً لكتاب "تاريخ الفلسفة الإسلامية" للبروفسور هنري كوربان، حيث ناقشتُ فيه النقاط الرئيسية التي نُسبت الى عقائد الشيعة الإمامية الإثنَي عشرية..
والآن أبعث بهذا الفصل الى مجلة "العرفان" الغرّاء لكي يُعرض على القراء الكرام أصحاب الرأي النيّر تمهيداً لمناقشته وإكماله..

تصدير ترجمة الكتاب:

لقد فتح هذا الكتاب أمام الفكر الغربي باباً واسعاً جديداً للثقافة الشرقية، وكشف له كنوزاً غنية بالإنتاج الديني الفلسفي والتصوف الأصيل..
وقد بذَل الأستاذ المؤلف البروفسور هنري كوربان في هذا العمل الكبير جهداً متواصلاً يُدهش القارئ ويُلزمه بالتقدير والإعجاب، لأنه تجاوز فيه طاقة الفرد والأفراد، ذلك أنّ الأبحاث التي يتحدث عنها المؤلف كانت في الكثير منها مودَعة في صدور العلماء الراسخين في العلم وفي أوراق الكتب المخطوطة، وقد تفرّق العلماء وانتشروا في أقطار الشرق الإسلامي، وتبعثرت الكتب في خزائن المكتبات الخاصة والعامة في مختلف بلاد العالم..
والمؤلف مع ذلك يحاول بصبر وجلَد متناهيين سبر أغوار هذه الأبحاث واكتشاف جواهرها وترجمتها وتنسيقها وإخراجها، وهذا عمل يتجاوز جهود كثير من الباحثين، وخدمة يقدّمها المؤلف للثقافة العالمية، تعلو الكثير من خدمات المؤسسين..
أما القارئ العربي فسوف يجد في ترجمة هذا السِفر الجليل متعة فكرية واعتزازاً بما أنتجه الشرق كلّه، وندماً لجهله (أو تجاهله) لتراثه الثقافي والحضاري العظيم، حتى أصبح كالمرآة تعكس الفكر الغربي وإنتاجه، ناسياً أنه امتداد لمؤسسي أكبر إنتاج حضاري وثقافي في التاريخ..
وترجمة هذا الكتاب تقدّم بدورها للفكر ما يتناسب مع المشقّات التي تحملّها المترجمان الفاضلان، والجهد المتواصل الذي بذلاه للعثور على النصوص ومصادرها ولإتقان الترجمة..
ولكن هذا الكتاب الجليل يحتوي على أبحاث أساسية تقبل النقد العلمي وتستحق النقاش العادل، وفضل المؤلِّف مضاعَف لأنه أثار هذه النقاط التي كان المهتمون بها يفضّلون عدم الخوض فيها إيحاباً أو سلباً..
تعتمد هذه الأبحاث بصورة إجمالية على ما وجده المؤلف في كتب الباحثين من الفقهاء والفلاسفة والصوفية من مقالات لا يمكن التشكيك في نسبتها إليهم..
إنما التحفّظ الكلّي في إسناد هذه الآراء الى مذاهب المؤلفين واعتبارها جزءاً من عقائد تلك المذاهب، فالثابت هو أننا لا نستطيع أن نُسند الأبحاث التي أبدعها القس العلاّمة "تيلاردي شاردان" الى الكنيسة الكاثوليكية، ولا يجوز لنا أن نحاسب المذهب الحنفي عما نجده في كتاب فصوص الحكَم المحي الدين بن عربي (أحد أساطين التصوّف في الشرق).
وقد حاولنا في هذه المقدّمة توضيح المبادئ والآراء في الأصول والتفسير والعقيدة، وهي جزء من المذهب والدين، ونحن لا نقصد إنكار ما نقله الأستاذ المؤلف عن المفكرين ولا التنكر له، فالفكر معين لا ينضب، يُنتج ويعطي، ولا يقف أبداً، فكل مفكّر مسؤول عما يقول، ومعتزّ بما يقول، والصرح الثقافي يعلو ويرتفع بهذا أو ذاك..







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق