الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الإسلاميون وروسيا ..التخبط الاستراتيجي





تاريخ النشر: 2015-10-08 23:30:27

عدد القراءات: 1076


الإسلاميون وروسيا..التخبط الاستراتيجي (3/1)

عصام احميدان الحسني








الحلقة الأولى

1- الاستبداد والفتنة


اليوم ، وبعد أن طال أمد الأزمة السورية وتسلطت على قسم كبير من أراضيها جماعات تقرأ الإسلام قراءة سطحية حرفية مغالية في تكفير المخالفين ، موغلة في دماء المسلمين وغير المسلمين بغير وجه حق ، إلى درجة لم نعد جاهزين معها لقبول أي كلام عن الحرية والديموقراطية في ظل العنف الأعمى والفتنة المستمرة ، مسستلهمين هذا الموقف من الإمام علي عليه السلام الذي قال ( وال ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم ) ، ومن الموقف العملي الذي وقفه في زمن خلافة أبي بكر ، فرغم أنه كان يعتبر أنه صاحب الحق الأول في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وامتنع عن البيعة ابتداء ، لكنه عدل عن موقفه ذلك خوفا على المسلمين من فتنة لا يعلم أولها ولا آخرها فقال عليه السلام (أمّا بعد فإنّ اللَّه سبحانه بعث محمّدا ،صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، نذيرا للعالمين ،و مهيمنا على المرسلين فلمّا مضى عليه السّلام تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فو اللَّه ما كان يلقى في روعي ، و لا يخطر ببالي ، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى اللَّه عليه و آله و سلم عن أهل بيته و لا أنّهم نحّوه عنّي من بعده فما راعني إلاّ انثيال النّاس على فلان يبايعونه ، فأمسكت بيدي حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السّراب ، أو كما يتقشّع السّحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل و زهق، و اطمأنّ الدّين و تنهنه ) .
إن المصيبة التي حلت بالمسلمين اليوم أعظم من فوت ولاية أو حكم على جماعة من الجماعات الإسلامية ، وقد قيل في أدبيات الحركة الإسلامية المعاصرة أن السلطة وسيلة لا غاية ، فبذل الإسلاميون لنيلها الغالي والنفيس وضحوا بدماء المسلمين ، فعجبا كيف يقال بعد هذا أنها وسيلة لا غاية ، وطريق لا نهاية .
إن الاستبداد لا يمكن أن يكون المشروع البديل عن الفتنة ، ولا الفتنة هي سبيل الخروج من حالة الاستبداد ، فالخلاص الوحيد من الاستبداد هو النضال المدني السلمي والتعايش مع الواقع الباطل دون الاعتراف بشرعيته والعمل على تغييره من الداخل ، دفعا للخيار الأسوأ بما هو سيء إعمالا لقاعدة التزاحم .



2- الإسلاميون والتخبط الاستراتيجي :

بالعودة إلى فترة الصراع بين الشرق والغرب (الشرق السوفياتي والغرب الرأسمالي) كان حديث الإسلاميين عن ضرورة مواجهة الاتحاد السوفياتي باعتباره قوة إلحادية معادية للإسلام والمسلمين، وقد شكلت حرب أفغانستان مادة إعلامية تعبوية لتجنيد المسلمين في العالم وجمع الأموال والتبرعات، فشاهدنا أمراء الخليج ودول الغرب كيف سوقوا إعلاميا ل ( الجهاد الأفغاني) فبرز
( المجاهدون) إلى ميادين القتال على مرأى ومسمع من الدول الغربية وحلفائهم من الأنظمة العربية ..برزوا بصواريخ (ستينغر) الأمريكية لقتال ( الكفار والملحدين) كما لو أن الغرب الذي يدعمهم حليف الإيمان وناصر الإسلام .
لم يكن الموقف الإسلامي يتم دهره وفريد عصره ، بل سبقته مواقف أخرى ، تحفظها ذاكرة الجنود والمتطوعين المغاربة في الحرب العالمية الثانية حيث كان يقال لهم إن المشاركة في الحرب جهاد ضد الكفار الألمان ، كما قيل للمتطوعين المغاربة في جيش فرانكو ( اسبانيا) في مواجهة خصومه السياسيين في فترة الحرب الأهلية الإسبانية بأن باب التطوع للجهاد ضد الكفرة مفتوح ، كما لو أن الجنرال فرانكو هو ولي أمر المسلمين .
لا ننكر أيضا أن بعض الإسلاميين لم يكونوا بتلك السذاجة التي كان عليها من قاتل إلى جانب فرنسا ألمانيا النازية أو إلى جانب فرانكو ..بل كانوا براغماتيين حيث كانوا يعتبرون أن المواجهة مع الغرب قادمة لا محالة وأنه لابد من ترتيب الأعداء ، إذ كان يشكل لهم الاتحاد السوفياتي العدو العقدي الأول ، فكانوا يستسهلون المواجهة مع الغرب الرأسمالي لكونه لا يحمل عقيدة واضحة وتحركه أطماع مادية بحتة.
بل إن بعض هؤلاء البراغماتيين راح يبحث له عن تأصيل نظري يبرر أولوية مواجهة الاتحاد السوفياتي على مواجهة الغرب ، فكان من بين تلك التبريرات أن مولد رسول الله صلى الله عليه وآله كان إيذانا بنهاية الامبراطورية الفارسية التي كانت شرق العالم العربي ، بل إن القرآن الكريم بشر الروم بالنصر على الفرس ، بما يعني الغرب الرومي هو الأقرب إلى المسلمين من الشرق الفارسي ، وأنه ما أن تم الانتهاء من تدمير الامبراطورية الفارسية حتى دخل المسلمون المواجهة المباشرة مع الغرب الرومي فأعلنوا بذلك عن قيام ( الخلافة الإسلامية) الامبراطورية .
لقد سار البراغماتيون من الإسلاميين على هذا النهج فعلا ، وما أن تفكك الاتحاد السوفياتي حتى وجه (المجاهدون الأفغان) وحلفائهم العرب ضربتهم في قلب الولايات المتحدة الأمريكية في 11 شتنبر 2001، وهي ما أطلقوا عليها ( غزوة مانهاتن) ، ليتحرك على إثرها الغرب لمواجهة العدو الجديد القادم من الشرق الأوسط ، وتحركت على إيقاع ذلك الأنظمة العربية الحليفة للغرب للقيام بعمليات اعتقال للعائدين من أفغانستان والخلايا الداعمة لها .
لقد وظف الغرب حادثة برجي نيويوك ليبرر تدخله العسكري المباشر في الشرق الأوسط ، فكان احتلال أفغانستان والعراق وبداية زرع الفتنة داخل المنطقة لإعادة ترتيبها وتقسيمها على أسس طائفية وتدمير الجيوش العربية على قاعدة مشروع ( الفوضى الخلاقة) الذي طرح في فترة حكم الرئيس بوش الابن وعبرت عنه بوضوح مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس ، فكان حراك 2011 أجلى تعبير عن هذا المشروع .
إن الحركة الإسلامية التي كان تتحدث عن مواجهة مقبلة مع الغرب بعد الانتهاء من الاتحاد السوفياتي ظلت تتحرك من خلال المشروع الغربي ، فلعب دورا كبيرا في إحياء النعرات الطائفية في العراق وسورية ومصر ضد الأقليات الدينية والمذهبية ثم ما فتئت تلعب دورا كبيرا في حراك 2011 لإسقاط الأنظمة العربية لأجل الحلول محلها ، وهو ما يعني أن جل الحركات الإسلامية شكلت السند القوي للمشروع الغربي الامبريالي في المنطقة ولم تتواجه معه ، بل إنه حتى الحركات الإسلامية المتطرفة كالقاعدة وما تفرع عنها تم الاستفادة منها في إحداث توترات طائفية في باكستان وأفغانستان وسورية والعراق ولبنان ومصر ..وعدد ضحاياها من المسلمين ومسيحيي الشرق واليزيديين أكبر بكثير من ضحاياها داخل الدول الغربية ، مما يعني أن هذه الحركات تستهدف المنطقة وشعوبها وأن شعار مواجهة الغرب والصليبيين كان عنوانا عاما في إطار حركة الشعار العام بينما شكلت الفتنة الطائفية البعد العملاني في حركة المشروع لهذه الجماعات .
يكفي إلقاء نظرة بسيطة على الساحات الجامعية وواقع الحركة الطلابية في العالم العربي ، لنجد أن أشرس المواجهات الطلابية كانت بين الإسلاميين والشيوعيين ، وقد كانت الحجة آنذاك أن الإسلاميين يملكون مشروعا لا شرقيا ولا غربيا ، لا اشتراكيا ولا رأسماليا ، لكن ما أن سيطر الإسلاميون على المواقع الجامعية وتراجع حضور اليسار فيها ، حتى تقلصت الحركية النضالية المطلبية وانعدمت في الكثير من المواقع الجامعية ، فهيمنت الميوعة الفكرية والأخلاقية على الجماهير الطلابية ، كما تم تنزيل معظم المخططات السلطوية لتخريب النظام التعليمي وخوصصته وضرب استقلالية الجامعة وحرمة حرمها أمنيا.
بالعودة إلى حركة النشر الثقافي نجد أن الفترة الذهبية للإسلاميين في مجال التنظير للمشروع الإسلامي كانت هي فترة المواجهة مع اليسار ، وأنه ما أن تفكك الاتحاد السوفياتي وتراجع دور اليسار في العالم العربي حتى غابت الدراسات والبحوث الإسلامية التي تنظر للمشروع الإسلامي في كافة المجالات الحياتية ..بل إن كثيرا من الإسلاميين أصبحوا ينظرون للمفاهيم الغربية من خلال المرجعية الإسلامية لإثبات كون الإسلام لا يتناقض مع تلك المفاهيم ، وهو خلاف ما كانت تدعيه في بداية أمرها من كون المشروع الإسلامي يتميز بأصالته واستقلاليته الفكرية عن الشرق والغرب ، عن الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء .
إن جل الجماعات الإسلامية كان وعيها وتمثلها لكثير من المفاهيم التاريخية والقرآنية خاطئا ، وسقطت بذلك في فخ نصبه لها الغرب ( المسيح الدجال) ، فأنزلت الغرب منزلة الروم والنصارى الذين أهم أقرب الناس إلى الذين آمنوا بحسب نص القرآن الكريم ، وواجهوا القوة الشرقية التي تماثل القوة الفارسية التي سادت في عصر ما قبل ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعد ولادته .
يشير الداعية الشيخ حسين عمران إلى هذه القضية في كثير من محاضراته ، إذ لفت الانتباه إلى كون الروم الأوائل كانوا وثنيين وحملوا هذا الاسم لأن عاصمتهم كانت مدينة روما الإيطالية ، غير أن الملك المسيحي قسطنطين انتقل إلى بناء مدينة جديدة حملت اسمه وهي ( القسطنطينية) ، وكان ذلك التحول مفصليا في تاريخ المسيحية من مسيحية غربية ذات جذور إغريقية يونانية وثنية ومسيحية أخرى شرقية توحيدية أقام عاصمتها ( قسطنطين) وهي التي بشرها نبي الإسلام والقرآن الكريم بالنصر على الفرس من بعد هزيمتهم ..وقد تفرق الروم الحقيقيين في مناطق شرق أوروبا وغرب آسيا بعد أن احتل الأتراك عاصمتهم واتخذوها عاصمة الخلافة العثمانية ..إن الروس هم الروم الحقيقيون ، بينما الغرب فقد كان يمارس دور ( المسيح الدجال) ، في تقمصه للمسيحية شعارا ، بينما كان في حقيقة الأمر السند الأقوى للحركة الصهيونية العالمية ، وهو المسؤول عن زرع الإيديولوجية الإلحادية في قلب روسيا الأرثودكسية كي يبقى الغرب هو حامل لواء المسيحية زورا في العالم ، فمنع الغرب بذلك روسيا القيصرية من التمدد والاستفادة من نتائج الحرب العالمية الأولى التي قدمت فيها روسيا الكثير من الخسائر المادية والبشرية .
إن كان الإسلاميون قد واجهوا الاتحاد السوفياتي باعتباره قوة إلحادية عالمية ، فإن التحولات التي شهدتها الدولة الروسية من الاتحاد الى الدولة القومية الروسية ومن الالحاد إلى الإيمان ، لم يشفع لها ذلك لدى جل الجماعات الإسلامية ، حيث ظلوا يحاربون الروس إلى يومنا هذا ، ويسعون إلى تفكيك الدولة الروسية في منطقة القوقاز ، ويبررون بل يطالبون بالتدخلات الغربية في المنطقة ( ليبيا ، سورية ..) ويتذمرون من أي دور روسي في الإقليم ، وهو عمل بلا شك يصب في مصلحة القوى الغربية والتي لا يمكن أن نفترض أنها بعيدة عن مسرح الأحداث عند غريمهم الروسي ، ولا عن مسرح الأحداث في المنطقة العربية ، ليكون بذلك الإسلاميون أداة استراتيجية مهمة في يد الغرب لمواجهة خصومه الدوليين والإقليميين .
إذا كانت جل الجماعات الإسلامية لا تمتلك مشروعا أصيلا ومستقلا عن الغرب وأنها تحولت بوعي أو بدون وعي إلى أداة في مشروع الآخرين ( الغرب مثلا ) ، فإن هذا لا يمنع من رؤية النصف الملآن من الكأس ، والقول أن هناك حركة إسلامية أخرى امتلكت مشروعا رساليا حقيقيا ورفضت أن تكون أداة في مشاريع الآخرين بل استطاعت أن تفرض نفسها رقما صعبا في المعادلة الدولية والإقليمية .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق