الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


افاق الحوار المذهبي





تاريخ النشر: 2015-10-02 09:12:00

عدد القراءات: 834


آفاق الحوار المذهبي

الأستاذ محمد أكديد





عادة ما يقف المرء حائرا أمام العديد من الأسئلة التي لا يجد لها أجوبة فيما ما تطاله معرفته المحدودة بحدود ثقافة الوسط الذي يعيش فيه، وما يتداوله الناس عادة من أحكام ومواقف دون تدقيق في مصادرها وغايات من يروج لها في المجتمع. وكما يقول المثل المأثور؛ الناس أعداء ما جهلوا..
خاصة إذا ما تعلق الموضوع بعقيدة المسلم ودينه، وأمام السياج الذي تفرضه الرقابة على الكتاب الآخر الذي لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظرنا في أمور الدين والعقيدة ووصاية المذهب الذي لا يعترف بقراءات أخرى للإسلام لا توافق ما درج عليه فقهاؤه وأتباعه منذ زمن، تصبح مشكلة البحث في أصول الخلاف بيننا وبين الآخر المختلف عنا فكريا وعقائديا مشكلة عويصة لا تحتاج فقط إلى سلاح المعرفة والتجرد للبحث عن الحقيقة التي قد لا يمتلكها الطرفان كاملة، بل أيضا إلى جرأة في طرح التناقضات التي يعج بها الموروث الديني في كل المذاهب و نفس طويل لمواصلة البحث من مختلف الزوايا، خاصة وأن الخلاف هنا يتجاوز أسوار العقيدة والمذهب إلى دهاليز السياسة ولعبة المصالح.
هكذا تتعاظم مخاوف المسلم ويصبح التواصل مع أخيه مستحيلا باستحالة شروطه في بيئة يلوك معظم أفرادها نفس الأسطوانة دون أن يكلف أحد منهم نفسه عناء التساؤل والتفكير فيما بلغه عن أجداده، ولسان حالهم يوافق ما جاء في قوله تعالى : "إنا وجدنا آباءنا على سنة وإنا على آثارهم لمهتدون"
لن يحتاج المرء إلى ذكاء ليدرك بأنني أتكلم في هذا المقام على الخلاف التاريخي بين الشيعة والسنة والذي لا يبدو وكأن فصوله لن تنتهي في ظل ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم.
هذا الصراع الذي لم ولن يخدم ديننا الحنيف يوما إن لم يتسبب في إضعاف المسلمين وبث أسباب الفرقة و التناحر بين أبناء الدين الواحد فضلا عن فتح المنافذ للأعداء للكيد للإسلام والمسلمين.
وأنا أتصفح الكثير من الردود التي يتراشق بها أتباع المذهبين فيما بينهما على الكثير من المواقع والجرائد الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، كنت أحاول أن أقف على جواب للكثير من الإنتقادات والإشكالات التي يطرحها كل طرف على الآخر وفي مقدمتها تلك الكليشيهات الجاهزة التي يحملها كل فريق ليغيض بها خصمه في كل مواجهة.
كيف يرى السنة الشيعة؟
هل هم مثلنا مسلمون؟ وإذا كانوا كذلك، فلماذا يكفر بعض فقهاء أهل السنة الشيعة؟
هل هم فعلا يكيدون للإسلام من الداخل؟ أم أن هذا الزعم مجرد مظهر من مظاهر التطرف والعصبية لدى خصومهم؟
لماذا يسب الشيعة بعض الصحابة (وليس كلهم كما يحاول البعض إيهام الناس بذلك)؟
ماهي الأسباب الحقيقية وراء بغض الشيعة لهؤلاء الصحابة العدول في نظر أهل السنة؟
لماذا يقدسون عليا وأحفاده من دون باقي الصحابة والتابعين؟
لماذا لا يعترف أغلب أهل السنة بمذهب أهل البيت (ع) الذي يتبناه الشيعة؟ ولماذا حاربت السلطات عبر التاريخ هذا المذهب؟
هل لذلك علاقة بغلو أتباع هذا المذهب وكثرة البدع فيه كما يصفه خصومه؟ أم أن هناك أسباب أخرى تتجاوز الأصول والتفاصيل الفقهية لهذا المذهب؟
ما السر وراء الحصار الذي تفرضه عدد من الدول الإسلامية على الكتاب الشيعي؟
ولماذا لا يتمتع أتباع هذا المذهب بالحرية اللازمة لممارسة شعائرهم في معظم البلدان الإسلامية؟
ومن جهة أخرى، يصف الشيعة أهل السنة بالنواصب لأنهم قد نصبوا العداء حسب زعمهم لأهل بيت الرسول (ص) وانحرفوا عن مذهبهم الأصيل إلى مذاهب أخرى ساهمت السياسة في صنعها على المقاس.
هل فعلا هذه الإتهامات صحيحة؟ وإذا كانت خاطئة فما السر وراء غياب تراث أهل البيت (ع) في المذاهب السنية وكتب التاريخ والسير والحديث؟
لماذا يرد الشيعة روايات عدد من رواة الأحاديث الذين يعتمد عليهم أهل السنة في كتب الحديث المعتبرة لديهم ؟ ولماذا تغيب في المقابل الروايات المأثورة عن أهل البيت (ع) في هذه الكتب؟
يرى أيضا عدد من فقهاء الشيعة بأن ولاية أهل البيت (ع) من أصول العقيدة الإسلامية في الوقت الذي يعتقد أهل السنة بأن هذا الزعم مجرد تمحل ومغالاة في العقيدة الصحيحة.
كما يتهم الشيعة أهل السنة بتزوير السيرة والتاريخ بالتعتيم على مآثر عدد من الصحابة والتابعين والعلماء الذين ناضلوا من أجل هذا الدين في مقابل تلميع صورة عدد آخر من الصحابة والتابعين الذين وقفوا ضد آل بيت الرسول (ص) والمغالاة في فضائلهم، مع الإنخراط في مشروع الطغاة من الحكام والساسة الذين حاربوا هذا الخط الأصيل بدءا من الأمويين.
هل هذا الزعم صحيح؟ وما هي أدلتهم على ذلك؟
ما هو دور المؤسسات السلفية والوهابية في توتير العلاقة بين السنة والشيعة؟
(للإشارة ومن خلال الردود التي تتداولها معظم المواقع الإجتماعية، فإن أغلب الشيعة يرون أهل السنة بمنظار السلفية الوهابية التي لا تعترف أصلا بالمذهبية)
لا ريب أن أغلب هاته الاتهامات المتبادلة والتي يروج لها عدد من المنابر الإعلامية دون تثبت لا تزيد إلا من رفع درجة الإحتقان الطائفي في العالم العربي والإسلامي وتوسيع فجوة الخلاف بين أتباع الطائفتين، خاصة في ظل تفشي الأمية وندرة الكتاب الذي يعرض حجة الآخر المختلف عنا مذهبيا و فكريا، وتعصب كل طرف لطائفته دون تحقيق في منأى عن الحوار الرصين الذي يتحول في العادة إلى نوع من التهريج والعبث بالحقائق، حيث يغيب العقل وتحضر مكانه العاطفة، ويصبح هدف كل طرف إثبات تهافت حجة محاوره بكل السبل التي قد يكون من بينها الكذب وتزوير الحقائق لتسقط آمال التواصل والوحدة في برك الطائفية المقيتة.
ولعل الحوار الشيق الذي دار بين العالمين الجليلين في الثلاثينيات من هذا القرن، شيخ الأزهر سابقا السيد سليم البشري و السيد شرف الدين الموسوي من علماء جبل عامل في لبنان، والذي صدر تحت عنوان المراجعات يعتبر من أجمل خطوات التقريب بين المذهبين في العصر الحديث، حيث توج هذا الحوار بإجراءات كان من أبرزها فتوى الشيخ الأزهري آنذاك بجواز التعبد بالمذهب الجعفري الذي يدين به الشيعة الإمامية وكذا تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية على إثر ذلك ولولا تشويش البعض من أصحاب المصالح الخفية والعقائد المنحرفة على مسيرة هذا الإنجاز الكبير لعم هذا التوافق في كل العالم الإسلامي..
وفي الوقت الذي يتقدم فيه العالم المتحضر نحو المستقبل بثبات، يتراجع العالم الإسلامي ويغوص في مشاكل لا تنتهي ونعرات لا تتوقف بسبب التطرف والتطرف المضاد، حيث تسيطر لغة السلاح على لغة الحوار رغم بعض المحاولات التي يقوم بها عدد من سفراء النوايا الحسنة هنا وهناك من أجل تقريب وجهات النظر وبناء أرضية مشتركة تتجاوز الخلافات المبالغ فيها بين المذهبين..
وبالرغم من كون كلا الطرفين يخسر في هاته الحرب المفتوحة أضعاف ما يمكن أن تكسبه بالتزام موقف محايد على الأقل والعمل على استثمار الأموال الضائعة في (زرع الفتن) في مشاريع للتنمية والبناء يستفيد منها المسلمون.
فإن هذا الصراع يبقى متواصلا إلى أجل غير مسمى أو إلى أن يرث الله الأرض وما عليها مادامت هناك عقول تصدق كل ما يقال دون تبصر، وعواطف جياشة تتحرك في الإتجاه الخاطئ.
لكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة، وحلم الوحدة ليس بمستحيل كما يدعي البعض. فأوروبا المسيحية لم تتجاوز خلافاتها العقائدية لتصل إلى هذا المستوى من الإتحاد إلا بعد قرون من الحروب الدامية.
فما أحوجنا اليوم إلى الاستفادة من دروس التاريخ والوعي بواقع الأمة الإسلامية المتردي لاستشراف مستقبل واعد نريده أن يكون أجمل مما نعيش فيه اليوم من أجل الأجيال القادمة..







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق