الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


قراءة في خلفيات انسحاب جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير





تاريخ النشر: 2012-06-16 18:23:00

عدد القراءات: 1470


قراءة في خلفيات انسحاب جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير
صدر عن الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان المغربية بيان يوم الأحد 22 محرم 1433 الموافق 18 دجنبر 2011 ، هذا البيان الذي وضع حدا لمشاركة الجماعة في فعاليات حركة 20 فبراير ، وهو ما يستدعي منا تحليله وقراءة خلفياته وطبيعة الموقع الذي رسمه للجماعة ضمن المشهد السياسي المغربي .
بعد أن استعرض البيان وقائع تطورات المشهد السياسي قبيل ميلاد حركة 20 فبراير وما بعده وصولا إلى التعديل الدستوري الأخير ، وبعد أن اعترفت الجماعة بفضل حركة 20 فبراير في تحقيق جملة من المكاسب السياسية والحقوقية وذلك لما عبر بما يلي : " وقد حقق هذا الحراك، بفضل الله تعالى، الكثير من النتائج منها كسر حاجز الخوف وسط عموم الشعب، واسترجاع الثقة والأمل، وامتلاك الشارع للمبادرة، وإطلاق سراح بعض المعتقلين، وبعث حركية جديدة في المجتمع، وكان من تجليات ما ذكر النجاح الباهر لحملات مقاطعة الاستفتاء والانتخابات، والفشل الذريع لكل المبادرات المخزنية الالتفافية " .
إن كل هذه الإنجازات التي تعترف بها جماعة العدل والإحسان لم تكن كافية لإقناع الجماعة بالبقاء ضمن دينامية حركة 20 فبراير ، وبررت انسحابها من حركة 20 فبراير بعبارات فضفاضة وغامضة ومختصرة ، وهي ما يلي : " لكن الحركة حفلت بمن جعل كل همه كبح جماح الشباب، أو بث الإشاعات وتسميم الأجواء، أو الإصرار على فرض سقف معين لهذا الحراك وتسييجه بالاشتراطات التي تخرجه من دور الضغط في اتجاه التغيير الحقيقي إلى عامل تنفيس عن الغضب الشعبي، أو تحويله إلى وسيلة لتصفية حسابات ضيقة مع خصوم وهميين، أو محاولة صبغ هذا الحراك بلون إيديولوجي أو سياسي ضدا على هوية الشعب المغربي المسلم في تناقض واضح مع ما يميز حركة الشارع في كل الدول العربية " .
بهذه الفقرة حاولت جماعة العدل والإحسان تبرير انسحابها من فعاليات حركة 20 فبراير ، وهي عبارة يفهم منها أن السقف الذي كانت نريده الجماعة لنضالات حركة 20 فبراير أعلى بكثير من السقف الذي تدعو له باقي المكونات ، وهو ما عبرت عنه بعبارة "كبح جماح الشباب" وعبارة "الإصرار على فرض سقف معين لهذا الحراك وتسييجه بالاشتراطات التي تخرجه من دور الضغط في اتجاه التغيير الحقيقي إلى عامل تنفيس عن الغضب الشعبي .." ، والسبب الثاني هو أن الجماعة لها تصور خاص بطبيعة التناقضات ومدى ترتيبها ، حيث أنها لا توافق توجه باقي مكونات حركة 20 فبراير ، الذين وجهوا الحراك نحو خصوم لا تراهم الجماعة كذلك ، دون أن تحدد لنا بوضوح من هم هؤلاء التحريفيين في نظرها وأيضا من هم الخصوم الوهميين لحركة 20 فبراير ؟ ومن هم الخصوم الحقيقيين لجماعة العدل والإحسان ؟
السبب الثالث الذي ذكره البيان في نفس الفقرة إيديولوجي بامتياز ، حيث أن الجماعة ألمحت إلى التوجه اليساري الذي اعتبرته اتجاها مضادا ل " هوية الشعب المغربي المسلم" ، بل إن الجماعة لا ترى شرعية لهذا التوجه ، لأنه يقع خارج السياق العام للربيع العربي ، مما يعني أن الجماعة تعتبر أن الربيع العربي هو حركة تتويج للإسلاميين ، ومن ثم لا حق لغيرهم في قيادة الشارع العربي بشكل عام والمغربي بنحو خاص .
بهذا الشكل يكون بيان جماعة العدل والإحسان حصر أسباب الانسحاب من حركة 20 فبراير في ثلاث أسباب وهي:
1- طبيعة السقف السياسي المنخفض لدى باقي مكونات حركة 20 فبراير مما يجعلها حركة تنفيس لا حركة تغيير حقيقي .
2- التناقض الرئيسي لباقي مكونات حركة 20 فبراير يعد ثانويا لدى جماعة العدل والإحسان ، دون أن تفصح الجماعة عن تناقضها الرئيسي .
3- محاولة باقي مكونات حركة 20 فبراير فرض التوجه اليساري على الخط الإيديولوجي والسياسي لحركة 20 فبراير وهو ما تعتبره مضادا لهوية الشعب المغربي المسلم .
ولمناقشة الأسباب التي استعرضتها الجماعة لتبريرها خيار الانسحاب من حركة 20 فبراير ، نسجل الملاحظات التالية :
أولا : إن اليسار الذي يشارك في حركة 20 فبراير هو يسار راديكالي في مطالبه ، وسقفه يصل إلى حد رفع شعار "إسقاط النظام" والأكثر اعتدالا في اليسار هم من يطالبون بملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم ، بينما التوجه الوحيد الذي ظل منذ انطلاقة حركة 20 فبراير إلى غاية انسحابه منه يرفض هذه الشعارات ويتبنى شعارات بسقف أقل انخفاضا هو توجه جماعة العدل والإحسان ، التي ظلت ترقع شعار "إسقاط الفساد" دونما تشخيص لهذا الفساد وتعيينه ..وبمجرد انسحاب جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير ارتقع سقف الشعارات لدى حركة 20 فبراير ، بعد أن خلا الأمر لتيار "أطاك" و "القاعديين" ..مما يمكن معه القول أن السقف السياسي لجماعة العدل والإحسان كان منخفضا قياسا مع باقي مكونات اليسار الجذري ، وأيضا غامضا في تفاصيله .
ثانيا : في كلام الجماعة عن كون باقي مكونات حركة 20 فبراير عملت على صنع خصوم وهميين ، نفهم من ذلك أمرا واحدا ، وهو أن الجماعة لا ترى في رموز الفساد والاستبداد تناقضا رئيسيا ، إنما يقع تناقضها مع المنظومة السياسية ككل ، وهذا الأمر يؤكد على إصرار الجماعة ممارسة الغموض ، وعدم الوضوح من الجماهير ، وتسمية الأشياء بأسمائها ، ومن لا يتقيد بسقوف منخفضة عليه أن يكون صريحا في بياناته ويحدد بوضوح ما يريد دون أن يثير الالتباس لدى الجمهور ..وعلى فرض أن الجماعة تعتبر تناقضها الرئيسي مع المنظومة ككل ، فما هي نظرية التغيير لدى الجماعة ؟ ثم ألا يدل الارتجال ودخول الجماعة في حركة 20 فبراير والانسحاب منها على تخبط واضح وفقدان الدليل النظري للتغيير ؟؟
ثالثا : إن جماعة العدل والإحسان تنطلق من قراءة خاطئة للربيع العربي ، حيث أنه في الثورة التونسية والمصرية واليمنية لم يكن التوجه الإسلامي مؤطرا لها ، بل إن التوجه الإسلامي ظهر لاحقا بعد انتصار الثورتين ، من خلال صناديق الاقتراع ، وقد تعمد "الإخوان المسلمون" في مصر و"حركة النهضة" في تونس و"التجمع اليمني للإصلاح" و"الحوثيين" في اليمن التواري عن الأنظار ، وعدم قيادة الثورة ، كي لا يتم إجهاض الثورة بسبب اللون الإسلامي..بينما نجد أن جماعة العدل والإحسان في المغرب ، تبرر انسحابها من حركة 20 فبراير بسبب اللون غير الإسلامي للحركة ، ورغبة الحركة تلوين الحركة بلون الاتجاه الإسلامي ، معتبرة أن هذا الأمر ينسجم مع السياق العام للاحتجاجات في الشارع العربي ، مما ينم عن قراءة خاطئة ، وحالة عاطفية تفتقد العقلانية التي تميزت بها باقي الحركات الإسلامية في العالم العربي .
إذا كانت الأسباب التي قدمتها الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان غير واضحة وغير مقنعة ، فما هي الأسباب الحقيقية لهذا الانسحاب ؟
إننا نعتقد أن الأسباب الحقيقية تكشف عنها عبارات أخرى ، نعتبرها مفاتيح لفهم ما جرى ..من هذه العبارات التي تضمنها البيان : "- تأكيدنا أن استمرار المخزن في مواجهة جيل جديد من الشباب بوسائل عتيقة مقاربة فاشلة ومفلسة، وإن الحرص على رعاية الفساد والريع والاستبداد وهضم الحقوق والتضييق على الحريات وإهدار الكرامة سيغذي الحقد والنقمة، وكل هذا لن يقود إلا إلى فتنة قد تأتي على الأخضر واليابس. وقانا الله شر الفتن " .
إن الجماعة تعتبر أن الوضعية القائمة لن تفتح البلد على سيناريو التغيير ، إنما ستفتحه على سيناريو "الحقد والنقمة التي لن تقود إلا إلى فتنة قد تأتي على الأخضر واليابس ، وقانا الله شر الفتن " ، مما يعني أن الجماعة غير متفائلة بإمكانية حدوث التغيير ، وهو الأمر الذي يعني بالضرورة أن الجماعة أصبحت مقتنعة أن حركة 20 فبراير استنفذت أغراضها وأنها لا تستطيع جلب التغيير ، غاية ما هنالك أنها ستؤجج الغضب الشعبي ، وتفتح المستقبل على مجهول يحمل اسم "الفتنة" التي قالت أنها قد تأتي على الأخضر واليابس ..ومن هنا نفهم السبب الحقيقي لانسحاب جماعة العدل والإحسان .
ما يؤكد أيضا أن الجماعة وصلت بعد قراءة متأخرة إلى هذه الحقيقة ، بعد أن عولت كثيرا على حركية العشرين من فبراير، هو المقطع التالي من من البيان وهو الموالي للمقطع السابق مما يتمم الصورة : " دعوتنا المنتظم الدولي إلى الكف عن دعم أنظمة التسلط التي تتصدى لحق الشعوب في الحرية والكرامة والعدل،فالآليات الديمقراطية كل لا يتجزأ، وصيانة المصالح المشتركة لا تتم إلا في ظل حكم راشد يسنده شعب يملك الكلمة الأولى والأخيرة في تدبير شأنه العام ".
هذه الفقرة من البيان في غاية الأهمية ، حيث أن الجماعة توصلت بشكل أو بآخر إلى خلاصة وهي أن الغرب لن يدعم حركة العشرين من فبراير ، لأنه بحسبها لم يكف عن دعم النظام الذي يتصدى لحق الشعوب في الحرية والكرامة والعدل، وهي ذات الشعارات التي من أجلها خرجت حركة 20 فبراير ، مما يعني أن الجماعة تعتبر أن التغيير لن يحدث إلا إن كف الغرب دعمه عن النظام ، وهو ما يسمح بالقول أن الجماعة لما خرجت مضمن فعاليات حركة 20 فبراير استوحت من الحراك الشعبي العربي رسالة خاطئة مفادها أن الغرب يريد تغيير الأوضاع بكل العالم العربي ، وأن المغرب لن يكون استثناءا ، لكنها بعد مرور الوقت اكتشفت أنها خرجت في الوقت الخطأ ، مما يشكل استنزافا لقواها في معارك لن تثمر عن حدوث التغيير المنشود .
أمام هذا الوعي المتأخر للجماعة بفشل الرهان على حركة 20 فبراير للوصول إلى التغيير على الطريقة التونسية والمصرية ، نتساءل عن الموقع الجديد الذي اختارته الجماعة لخوض صراعها ؟ التغيير من خارج المؤسسات على أرضية الشارع ؟ التغيير من داخل المؤسسات السياسية والدستورية ؟ المعارك الجزئية ؟
نعتقد أن الجماعة تركت إلى أجل غير مسمى معركة الرهان على الشارع لتحقيق التغيير ، لأن الحركة الوحيدة التي تقود هذا النوع من المعارك هي حركة 20 فبراير ، وهي الحركة التي انسحبت منها الجماعة ، كما نعتقد أن الجماعة لن تنخرط في العملية السياسية والتغيير من داخل المؤسسات لأنها لا تقبل بالقواعد الدستورية القائمة ، مما يعني بالضرورة أن كل ما يتفرع من هذه القواعد من المؤسسات مرفوض ..فما هو الموقع الذي اختارته الجماعة إذا ؟
نعتقد أن الموقع الجديد للجماعة هو البحث عن معارك جزئية قطاعية ومتفرقة ، وعلى أرضيات متفرقة بعضها وطني وبعضها الآخر ديني ، أو إقليمي ودولي ، وهو رهان تعرف الجماعة أنه لن يحقق التغيير المنشود ، لكنها تراهن عليه من أجل إشغال قواعدها فيه ، وجعلهم لا ينتقدون الأداء السياسي للجماعة ، ولا يتساءلون عن نظرية التغيير للجماعة ، لأن من شأن تلك الأسئلة أن تثير جوا نقديا قد لا تتحمله "الفلسفة الشورية" للجماعة .
ختاما ، نستطيع القول أن جماعة العدل والإحسان لم تكن صريحة مع الجمهور ومع قواعدها أثناء استعراض أسباب انسحابها من حركة 20 فبراير ، وأخفت تصورها السياسي للتغيير والذي تربطه بطبيعة الموقف الغربي من النظام ، مما يعني أنها الآن في موقع الانتظار ..انتظار حدوث تبدل في الموقف الغربي من المغرب الرسمي ، لتنساق الجماعة بذلك في مخططات الغرب ، فهو الدرس الذي استفادته من الثورات العربية .
الخط الرسالي










إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق