الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


دولة الإنسان ودولة الإسلام





تاريخ النشر: 2015-06-29 00:30:00

عدد القراءات: 1091



سلسلة الميثاق الرسالي
(3)
دولة الإنسان ودولة الإسلام

عصام الحسني




بالعودة إلى ( الميثاق الرسالي) نجد أن الخط الرسالي ينطلق من شعار أطلقه السيد محمد حسين فضل الله رض : ( دولة الإنسان طريقنا إلى دولة الإسلام) ، مما يعني أن الخط الرسالي ( يؤمن بمشروع "دولة الإسلام" كأفق استراتيجي لا يمكن بلوغه إلا من خلال تحقيق "دولة الإنسان" كأفق مرحلي ، لأن الدولة الإسلامية هي اختيار شعبي حر وليست مشروعا فوقيا إنقلابيا يصادر إرادة الجماهير ..كما نعتبر الدولة الإسلامية وإن كانت عقائدية فإنها ليست نظاما "تيوقراطيا" لجهة قيامها على إرادة الأمة واختيارها وتدبير أمورها بنفسها عن طريق الاستفتاء والانتخابات والمجالس التمثيلية والسلطة التنفيذية المنتخبة والسلطة القضائية المستقلة) (الفقرة الثانية من الميثاق الرسالي للخط الرسالي) .
دولة الإنسان : المنطلقات والمفهوم :
ما أن توفي رسول الله صلى الله عليه وآله حتى طرحت العديد من الأسئلة والإشكاليات المتعلقة بوضع السلطة السياسية لدى المسلمين ، وفي اعتقادنا أن الجدل لم يكن حول شورية الحكم والسند الشعبي للخلافة ، إنما دار بين مدرسة تعتبر أن الخلافة من لوازم الإمامة لكون الخلافة فرع عن أصل والأصل في ذلك هو الإمامة وأيضا لقبح تقديم المفضول مع وجود الأفضل ، ومدرسة أخرى أقامت تفكيكا بين مقامي الخلافة والإمامة وأجازت أن يتقدم شخص للحكم مع وجود من هو أفضل منه في الناس على قاعدة سطرها أبو بكر في خطبة الخلافة : ( أما بعد ، أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ) وأعاد نفس الجملة عمر بن الخطاب في خطاب خلافته .
لسنا هنا لمناقشة المدرستين في مسألة ( الخلافة) والتي يمكن العودة إليها لاحقا بشرح مستفيض ، لكننا نود أن نسلط الضوء على نظرية أخرى نسفت أصل السلطة السياسية في الإسلام ، وقالت بأن الحكم لله لا بمعنى الحاكمية التشريعية والتكوينية ، بل بمعنى ألا شرعية للسلطة في الإسلام مطلقا ، وقد انبرى الإمام علي سلام الله عليه للرد على هذه الأطروحة الخارجية ( نسبة للخوارج) قائلا : "(لا حكم إلا لله) كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاْجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر ".
إن الإمام علي ع أقام تمييزا بين الحاكمية والدولة ، واعتبر أن الدولة ضرورة إنسانية ( لابد للناس من أمير) بغض النظر عن التوجه العقائدي للدولة (بَرّ أَوْ فَاجِر) ، هذه الدولة هي ( دولة الإنسان) التي ( يعمل فيها المؤمن ويستمتع فيها الكافر ) ، أي أنها دولة لكافة المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم ، من وظائفها توزيع الثروة ( يجمع به الفيء) وحفظ الأمن الخارجي ( يقاتل به العدو) وكذا الأمن الوطني ( تأمن به السبل) وأيضا تحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين (يؤخذ به للضعيف من القوي) ..
إن الدولة التي هي ضرورة إنسانية هي (دولة الإنسان) ، وهي دولة محايدة عن الاعتبارات العقائدية لفائدة عموم المواطنين تقوم بمهام حفظ الأمن وتكريس العدالة و صيانة كرامة المواطن ، بينما دولة الإسلام هي دولة تقتضيها رسالية الدولة ، أو بعبارة أخرى هي دولة القيم .
إن دولة الإنسان هي الدولة المدنية التي تضمن المنافسة الشريفة بين البرامج السياسية والتصورات الإيديولوجية المختلفة لتدبير الشأن العام ، سواء كان المشروع السياسي إسلاميا أو اشتراكيا أو رأسماليا ليبراليا ..لكن التحول إلى أي مشروع سياسي على مستوى الحكم لا يلغي دولة الإنسان ، بل يتأسس أي مشروع مجتمعي على إنسانية الدولة لا على الاختيارات الإيديولوجية التي تحدد وظيفة الحكم لا أصل وجوده.
فكما رأينا في قول الإمام علي ع فإن وظيفة دولة الإنسان تتحدد في : الأمن الداخلي والخارجي للوطن والمواطنين و التوزيع العادل للثروة في إطار العدالة الاجتماعية منعا للتفاوتات الطبقية وحفظ الحريات والحقوق على أساس المواطنة فهذه هي الخطوط العامة لدولة الإنسان التي لا يمكن لأي مشروع سياسي أو إيديولوجي أن ينقضها ، بل ينبغي أن يكون معبرا عنها في مستوى الخطوط التفصيلية .
إننا يمكن أن نعبر بطريقة أوضح عن العلاقة بين دولة الإنسان وباقي المشاريع الإيديولوجية والسياسية المتنافسة على الحكم ، بدولة الباطن أو الدولة العميقة ودولة الظاهر ..وهو خلاف الانطباعات السائدة عن الدولة العميقة التي في الغالب ما يكون وجودها ووظيفتها عرقلة المسار الديموقراطي وإفساد العملية السياسية والتحكم فيها وإفراغ المؤسسات الدستورية من محتواها الشعبي ..بينما (دولة الإنسان) هي الدولة العميقة التي تحمي المسار الديموقراطي في حالة ما لو حاول طرف ما الانقلاب على الديموقراطية وولاية الأمة ، وهي الدولة التي تمنع التلاعب بأمن الوطن والمواطنين وتبقي هذا الجهاز الأمني محايدا وبعيدا عن الصراعات السياسية، كما أنها الدولة التي تحمي التوازنات الاجتماعية والعدالة في خطها العام كي لا ينفرط العقد الاجتماعي والسياسي للمواطنين وتنفتح البلاد على الفوضى .
إن دولة الإسلام هي حكم مدني محدد باختيارات إيديولوجية وسياسية ولا يمكن تجسيدها إلا على أرضية اجتماعية وسياسية قوية ( دولة الإنسان) ، التي تحمي أيضا حق المعارضة ومبدأ التداول السلمي للسلطة ، ولا يمثل فشل المشروع السياسي الإسلامي فشلا للإسلام ، لأن الإسلاميين لا يمثلون الدين كما سبق أو أوضحنا في (ماهية الخط الرسالي) بل يمثلون ( التدين) الذي هو نمط يتفاعل فيه فهم النص بفهم الواقع في إطار منهجية بشرية للتنزيل ( نظرية التغيير/نظرية الممارسة) ، فقد يكون هناك إخفاق في فهم الدين أو في فهم الواقع أو في عدم امتلاك الحكمة في التنزيل الواقعي للوعي الديني ، مما يوجب على أصحاب المشروع السياسي الإسلامي القبول بالنتائج السياسية وما تفرزه الآليات المعبرة عن إرادة الشعب ، والعودة للمعارضة وإعادة تقييم وتقويم المشروع ودخول جديد للمعترك السياسي ، وأي محاولة للهيمنة الفوقية على الدولة والمجتمع من قبل الإسلاميين أو غيرهم يجب أن تواجه بتدخل ( دولة الإنسان) التي تحفظ بنية النظام الاجتماعي والسياسي وتمنع الطروحات الفوقية والانقلابية واحتكار الثروة والسلطة .
وأخيرا ، نعتقد أن البناء السياسي السليم ينبغي أن ينطلق من معالجة وضع الدولة العميقة وجعلها تنصب على حفظ الثوابت العامة لدولة الإنسان السالفة الذكر ، وألا تكون لخدمة فئة دون أخرى أو فوق المضمون التعاقدي للأمة ، وبدون ذلك لا يمكن المرور إلى بناء حياة سياسية سليمة تضمن المنافسة النزيهة بين التصورات الإيديولوجية والبرامج السياسية المختلفة ، لذلك قلنا أن ( دولة الإنسان طريقنا إلى دولة الإسلام) ، ويمكن أيضا للآخرين من التوجهات الإيديولوجية الأخرى أن يرفعوا شعار ( دولة الإنسان الطريق إلى النظام الاشتراكي أو الرأسمالي .. ) ليكون بذلك الهدف السياسي العام لكل القوى الوطنية هو بناء دولة الإنسان بما يضمن عملية الانتقال الديموقراطي .








إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق