الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الإرهاب في الشرق الأوسط : الوظيفة الاستراتيجية





تاريخ النشر: 2015-06-27 02:30:00

عدد القراءات: 831


الإرهاب في الشرق الوسط : الوظيفة الاستراتيجية
عصام احميدان الحسني







نقل المؤرخ للحملة الفرنسية على مصر عبد الرحمن الجبرتي ( 1756-1825)في كتابه ( عجائب الاثار في التراجم والأخبار) والمعروف ب ( تاريخ الجبرتي) ، وأيضا في كتابه ( مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس) كيف أن المسلمين تركوا جهاد المستعمر الفرنسي وتحلقوا بالأزهر الشريف لختم صحيح البخاري والدعاء باللطيف وعلى المستعمر بالهزيمة ، حتى أن نابليون بونابارت الذي حمل معه مطبعة لمصر لنشر ثقافة الاستعمار الفرنسي اعتنى أيما عناية بطباعة صحيح البخاري وشرحه .
مما لاشك فيه أن المستعمر لم يكن يهمه نشر الإسلام ولا تعليم السنة النبوية ، بل كان غرضه الأساس توظيف ثقافة الانكفاء على النصوص حفظا وشرحا ، وترك الواقع للمستعمر يعيث فيه فسادا ، فالتخلف مادة خصبة يوظفها أقطاب الفساد والاستبداد لتعميق نفوذهم وتحقيق مصالحهم .
في الحجاز نجد أن الإدارة البريطانية التي دعمت الشريف حسين في ثورته على الأتراك والذي كان قاب قوسين أو أدنى من إقامة مملكة عربية مترامية الأطراف في الشرق الأوسط ، سرعان ما انقلبت عليه وفضلت إقامة عدة كيانات عربية ( مملكة للأمير عبد الله بن الشريف حسين على نهر الأردن ، ومملكة لأخيه الأمير فيصل على أرض العراق أما في الحجاز ونجد فقد ساندت بريطانيا الحركة الوهابية التي أرسى دعائمها محمد بن عبد الوهاب لكون تلك الحركة كانت كفيلة بتفتيت روابط وحدة العالم الإسلامي لما قامت عليه من أفكار تكفيرية لمذاهب إسلامية كالصوفية والشيعة وغيرهم وأيضا على هدم قبور الصحابة وأهل البيت وأولياء صالحين ..مما يعني أن القومية العربية و التطرف الديني شكلا أداة استراتيجية في يد المستعمر البريطاني وهو ما مهد لتقسيم العالم العربي وفق المخطط الاستعماري ( سايكس بيكو ) .
إن تقسيم العالم العربي إلى دويلات يتوسطها الكيان الصهيوني وتتوزعها تيارات قومية عروبية وأخرى دينية متطرفة لم يكن هدفا كافيا للقوى الغربية ، ففي سنة 1983 وافق الكونغرس الأمريكي بالإجماع خلال جلسة سرية على مشروع تقدم به الباحث والمؤرخ الصهيوني الأمريكي ( برنارد لويس) يدعو إلى الخروج من الإطار الجغرافي الحالي للعالم العربي وتقسيمه من جديد على أسس طائفية وإثنية بما يضمن المحورية الإقليمية للكيان الصهيوني الذي يطرح نفسه كدولة عبرية يهودية .
منذ 1983 إلى يومنا هذا انطلقت عملية تنشيط النعرات الطائفية الدينية والمذهبية والعرقية تحت عديد من الذرائع والمسميات : حق التدخل الإنساني ، حماية الديموقراطية وحقوق الإنسان ، محاربة الإرهاب ، القضاء على أسلحة الدمار الشامل ، حق الشعوب في تقرير المصير ..
يرجع الباحث الأمريكي الماسوني دان براون نظرية الفوضى البناءة إلى الأدبيات القديمة للماسونية خاصة للأب ديف فيلمنغ الذي اعتبر أن الإنجيل أكد على أن الكون تأسس من الفوضى والاضطراب ، لذلك فإن الحركة الماسونية تولي اهتماما كبيرا بمسألة صناعة الثورة وتنشيط النزعات الطائفية وتعتبر ذلك من شروط تحقق الانتقال الديموقراطي .
سنة 2003 وهي ذات السنة التي تم فيها الغزو الأمريكي للعراق ، نشر الباحث الأمريكي مايكل ليدين تصوره السياسي لمنطقة الشرق الأوسط على ضوء نظرية ( الفوضى البناءة) وهو الكتاب المعنون ب (التغيير الكامل في الشرق الأوسط) .
أيضا أكد كل من مايكل ماكفيل وروبرت ساتلوف على نظرية الفوضى البناء لصناعة الشرق الأوسط الجديد وإعادة تقسيم المنطقة على أسس جديدة ومغايرة .
وصولا إلى سنة 2005 حيث كشفت وزيرة الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت ( كونداليزا رايس ) عن المخطط الأمريكي لإعادة تقسيم المنطقة من خلال آلية ( إثارة الفوضى في المنطقة) وذلك في حوار أجرته معها صحيفة ( واشنطن بوست) حيث اعتبرت أن الفوضى التي تثيرها العملية الديموقراطية أفضل من الاستبداد لكونها ستفرز لاحقا واقعا جديدا ، وهذا هو سبب وصف المشروع الفوضوي ب ( البناء) و( الخلاق) .
إن عملية إثارة الفوضى والنعرات الطائفية تم العمل عليه منذ مدة طويلة وخاصة منذ 2003 ، غير أن الانعطافة الكبرى في هذا المشروع تمثلت في الاهتزازات السياسية التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سنة 2011 ، حيث تم فتح الباب على مصراعيه أمام الصراعات الدينية والمذهبية والإثنية ، وقد لعب تيار التطرف الديني دورا بارزا في هذه المرحلة ، بما يشبه حالة التحريض للطوائف الدينية والإثنية المضطهدة لنبذ فكرة الوحدة الوطنية وتأسيس كيانات سياسية خاصة .
يتساءل الكثيرون عن الدور الذي تقوم به قوات التحالف الدولي لمواجهة التنظيمات الإرهابية وخاصة (داعش) ، حيث لا زلنا نشهد تمدد هذه الجماعات في أكثر من قطر من أقطار المنطقة ، بل يتسائل البعض عن ازدواجية المعايير التي تحكم التحالف الدولي في مواجهة داعش ، حيث يتم غض الطرف عن تمدد هذا التنظيم في المناطق السنية ويمنع تدخل المتطوعين الشيعة (الحشد الشعبي) لدحر التنظيم في المناطق السنية ، وعندما يتجاوز التنظيم الداعشي حدوده ليصل إلى مناطق الأكراد تتدخل القوة العسكرية الغربية لحسم المعركة .. كما أن المناطق الأكثر دموية هي مناطق التماس الطائفي والعرقي ، بما يوحي أن هناك خريطة معدة سلفا في مستوى الجو يتم العمل على تنزيلها على الأرض بعد تحفيز المكونات الطائفية في الميدان على قبولها .
إن المنطقة الكردية في العراق تنعم بواقع أكثر استقرار ورخاء ، بينما يعاني شيعة العراق من وضع أمني وتنموي سيئ رغم الثروة النفطية بالجنوب ، ولعل الفارق بين الحالتين واضح وجلي ، حيث أن شيعة العراق في أعمهم الأغلب يرفضون مشروع تقسيم العراق ويؤمنون بالوحدة الوطنية ، لذلك يدفعون ثمن اختيارهم السياسي المناقض لما هو مخطط جيواستراتيجيا للمنطقة .
في المنطقة الشرقية بالحجاز سبق أن حاولت إدارة بوش الإبن من خلال وزيرة خارجيته كونداليزا رايس مد يد الدعم لشيعة المنطقة الشرقية في مواجهة النظام الحاكم في السعودية فكان موقف وجهاء شيعة المنطقة الشرقية هو رفض التعامل مع الأجنبي في مواجهة النظام ..وقد شرع التنظيم الإرهابي داعش في استهداف مساجدهم مؤخرا .
بالكويت ، نجد أن كل التيارات الشيعية هناك تدعم نظام الحكم السني المذهب ، وتحرص على تقوية أسس العيش المشترك في إطار الوحدة الوطنية ، وقد طالتهم يد الإرهاب الداعشي كذلك ، في محاولة لتفتيت الوحدة الوطنية الكويتية وإذكاء الروح الطائفية في المجتمع ..
بالبحرين حيث أغلبية الشعب البحريني هم من الشيعة وتحكمهم أقلية سنية المذهب ، اصطفت أكثر الجماهير الشيعية وراء مطلب الملكية الدستورية لنظام الحكم الأقلي ، ولم تطالب بإسقاط النظام ، كما تمسكوا ولا يزالون بمطلب الحراك السلمي في مواجهة القمع السلطوي وحملة التجنيس للأجانب لإحداث بنية ديموغرافية جديدة تهمش هوية أغلب مواطني البحرين .
باليمن ، نجد أن أنصار الله تعاونوا مع القوى اليمنية في إطار اتفاق السلم والشراكة الذي انقلب عليه منصور هادي من خلال تكتيك تقديم الاستقالة لإدخال البلاد في حالة الفراغ والفوضى ، غير أن أنصار الله أمسكوا بالمرحلة الانتقالية معلنين أنهم لن يقصوا أحدا من الحكم ، غير أن تهريب منصور إلى عدن ونقل السفارات من صنعاء إليها ، كان يؤسس على صعيد الواقع العملي لمشروع تقسيم اليمن ، لولا تدخل أنصار الله والجيش اليمني حيث تم إحباط المشروع التقسيمي لليمن ..بل إن الوفد اليمني المقيم في الرياض الذي كان يطالب بالانسحاب من كل المدن اليمنية ، كان يؤكد فقط على ضرورة الانسحاب من عدن ، مما يؤكد على أن أنصار الله والجيش اليمني يدفعان ثمن حرصهما على منع الفراغ والفوضى وتقسيم اليمن ، ولذلك تحركت عناصر داعش والقاعدة في الجنوب لإقامة إمارة طائفية في أبين ومأرب ، وهو ما يتصدى له شيعة اليمن الحريصين على إقامة حكومة وحدة وطنية .
على مستوى لبنان ، لا يختلف اثنان في أن شيعة لبنان يمتلكون قوة ردع في مواجهة الكيان الصهيوني وأيضا في مواجهة عناصر تخريب الوحدة الوطنية في الداخل اللبناني غير أن المقاومة التي تصر على وصف نفسها بالمقاومة الوطنية وعلى اعتبار نفسها عنصرا في معادلة وطنية وهي معادلة ( الجيش ، الشعب ، المقاومة) ، لا ترغب في فرض مشروع طائفي على لبنان ، وتؤمن بالمشاركة في أية حكومة وطنية إلى جانب غيرها من المكونات المجتمعية الأخرى ..كما أن المقاومة لم تعد فقط حامية ظهر لبنان من الكيان الصهيوني بل أيضا من الجماعات التكفيرية الوافدة على أرض سورية والتي باتت تهدد الوحدة الوطنية اللبنانية والسلم الأهلي .
إن المشروع التقسيمي الغربي للمنطقة يستهدف إيجاد كيان سياسي باسم ( دولة الشيعة العرب) وهي دولة تضم شيعة العراق والمنطقة الشرقية في السعودية وقد يلتحق بها شيعة الكويت ..لكن هذا الأمر صعب التحقق في ظل تمسك الشيعة العرب بالوحدة الوطنية ، خلافا للتيارات الطائفية التي تعمل على الهوية تحت وطنية كالأكراد وأيضا خلافا للتيارات الأممية كالإخوان والعثمانيين الجدد والسلفيين العاملين على الهوية فوق الوطنية ( الخلافة) .
خلاصة القول ، أن الإرهاب ليس فقط ثمرة تخلف وتطرف فكري بل هو أيضا أداة استراتيجية بيد القوى الاستكبارية لتفتيت المنطقة على أسس طائفية وضرب مفهوم الوحدة الوطنية ، وما الأعمال الإرهابية التي يقوم بها تنظيم داعش وأخواته من التنظيمات الإرهابية ضد الشيعة والمسيحيين وغيرهم إلا محاولة لدفع هذه المكونات الوطنية إلى نبذ الفكر الوطني واستبداله بالفكر الطائفي ، خروجا من محنة الاستنزاف والحرب الدموية ..لكن مع ذلك ، لا تملك القوى الغربية سلطة حاسمة في تنزيل مخططها التقسيمي على الميدان ، لأن الساحة هي معترك إرادات ..والأمور تعرف بخواتيمها لا بالبدايات .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق