الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الخط الرسالي في مواجهة السامرية





تاريخ النشر: 2012-06-15 18:23:00

عدد القراءات: 3703


"الخط الرسالي" في مواجهة "السامرية"
بعد أن تطرقنا للحديث عن كيفية مواجهة موسى عليه السلام بصفته قائد "الخط الرسالي" في زمانه للاستبداد السياسي الذي حمل عنوان "الفرعونية" ، ثم لكيفية مواجهة "الخط الرسالي" للفساد المالي والذي حمل عنوان "القارونية" ..نتطرق الآن للخط الرسالي في مواجهته للتحريف العقائدي للأمة المؤمنة والمجتمع التوحيدي .
وقبل الدخول في صلب القصص القرآني الذي نستهدي من خلاله العبرة في حركتنا الواقعية نحو المستقبل ، نستذكر هنا حديثا ورد في كتاب "نهج البلاغة" منقولا على الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه ، حيث نجد أن أحد اليهود اعترض على المسلمين عند علي بن أبي طالب سلام الله عليه قائلا : " ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم فيه. فردّ عليه الإمام سلام الله عليه قائلاً: (إنّما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم اجعَلْ لنا إِلهاً كما لهم آلهة، فقال إنّكم قوماً تجهلون).
إن محاولة ذلك اليهودي الانتقاص من المسلمين والإساءة لهم من خلال استغلاله الخلاف الذي حصل بين المسلمين عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، لقيت من الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه ردا قويا دفاعا عن صورة الإسلام والمسلمين ، واضعا النقاط على الحروف ، ومعتبرا أن ما حصل من خلال بين المسلمين عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله لا يمكن أن يقارن أو يقاس بما حدث في الأمم السابقة والديانات السماوية السابقة ..مفرقا سلام الله عليه بين "الاختلاف في النبوة " عن " الاختلاف عن النبوة".
فالاختلاف الذي وقع بين المسلمين عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله هو اختلاف عن النبوة وليس فيها ، أي أن المسلمين اختلفوا في فهم ما أخذوه عن رسول الله وأيضا في تنزيله على أرض الواقع ، ولم يكن اختلافهم في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله ، خلافا للخلاف الذي حصل بين قوم موسى ع الذين ما انفكوا يخرجون من محنتهم مع فرعون بفضل الله ونبي الله موسى ع ، حتى انطلق الخلاف بينهم في الألوهية وأصل التوحيد .
إن الإمام علي سلام الله عليه يشير بقوله هذا إلى الحركة التحريفية الكبيرة التي شهدها المجتمع المؤمن بتوحيد الله ونبوة موسى ع ، أي الحركة السامرية التي أطلقها "السامري" مستغلا فترة الغياب الطارئ ل"لقيادة الرسالية" عن التوجيه المجتمعي ، وعدم قدرة "القيادة النائبة " أي هارون سلام الله عليه على ملأ الفراغ القيادي بسبب تفاوت القدرات والمؤهلات القيادية بين النائب والمنوب عنه .
وعن هذه القصة يحدثنا الله تعالى في كتابه العزيز : " ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربّه أربعين ليلة﴾ ، قالقيادة الرسالية اضطرت لمغادرة مجتمعها بشكل طارئ ومؤقت ، بسبب موعد إلهي ضربه الله تعالى لنبيه موسى ع ، حيث يستمر اللقاء الرباني بين المرسل ورسوله ، الخالق ومخلوقه أربعين ليلة .
إن القيادة الرسالية ملزمة أن لا تترك مساحة من الفراغ ، لأن الطبيعة تأبى الفراغ ، وحتما سيملأ الفراغ آخرون ليسوا بالضرورة أوفياء للخط الرسالي الأصيل ، وقد ينحرفوا بالأمة عن قيمها الأصلية ، وهو ما جعل القائد الرسالي موسى ع يعهد إلى القيادة النائبة "هارون عليه السلام" بمهمة النيابة طيلة فترة الغياب المؤقت، لذلك ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ .
إن القيادة الرسالية بقولها "أصلح ولا تتبع سبيل المفسدين" كانت بذلك تستشعر وجود خط فاسد داخل صفوف المؤمنين ، لا يستطيع أن يكشف عن نفسه ، لأنه خط ضعيف لا يقوى على مجابهة الحق والقيادة الرسالية الناطقة بالحق ..وهو ما يجعله يتوارى عن الأنظار ويتريث حتى يقتنص الفرصة المناسبة للانقضاض على عقول العامة البسطاء ، ليضلهم عن سبيل الله .
إن النزعة المادية كانت غالبة على قوم موسى ع ، وكانت تلك هي الثغرة التي نفذ من خلالها السامري وحاول استغلالهم من خلالها ، والدليل على وجود تلك النزعة المادية هي تلك الطلبات المتكررة من قوم موسى ع له بأن يطلب من الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء وأيضا أن يريهم الله جهرة ..فإيمانهم بالحسيات طغى على كل إيمان بغيب الله .
وما يؤكد أن ليس كل قوم موسى ع كانوا سواء في تغليبهم الماديات على الغيبيات ، هو أن فريقا منهم بقي توحيديا ورساليا ، وهو ما عبر عنه الله تعالى بقوله : " ﴿ومن قوم موسى أُمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون﴾ ، أي أن من قوم موسى جماعة بقيت على الخط الرسالي الذي رسمه لهم الله تعالى ورسوله عليه السلام ..غير أن الغالبية من قوم موسى ع مالت مع السامري الذي دفعهم نحو البحث عن إله ذو جسم ، لأن عقولهم الصغيرة لم تستوعب بعد فكرة الإله اللامتجسم ، والذي لا يحد بحد ، ولا يعد بعد ، لا شبيه له ولا مثال ، لا يقيد بزمان ومكان ، لأنه وحده خالق الزمان والمكان .
وفي اتخاذهم العجل المصنوع من الذهب ذو الخوار ، يقول الله تعالى : " ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار﴾ ، أي أنهم جمعوا أكبر عدد من القطع الذهبية ، من خلال ما يتزينون به من حلي وأساور ، فصنعوا بها عجلا جسدا له خوار ..وقوله تعالى "جسدا" يشير إشارة لطيفة إلى ما أشرنا إليه من كون "التجسيم" وهيمنة النزعة المادية على عقول الضعفاء من قوم موسى ع هي الثغرة التي نفذ منها الخط التحريفي السامري للنيل من العقيدة التوحيدية الخالصة أساس الفكر الرسالي .
حالة الانحراف العقائدي التي أصابت المجتمع التوحيدي المؤمن ، كانت نتيجة ساهمت فيها استغلال "السامري" أمرين: أولاهما النزعة المادية المسيطرة على جل قوم موسى ع ، وثانيهما التمديد الطارئ الذي حصل في ميعاد موسى ع مع ربه ، حيث أن الميعاد الإلهي كان هو ثلاثين ليلة ، وقد كان أخبرهم أنه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة لا غير ، غير أن الله تعالى مدد من الميعاد عشرة أيام أخرى ، ليختبر إيمان قوم موسى ع ، والذين أضلهم السامري مستغلا عشرة أيام التي تم تمديدها ، متوهمين بذلك أن موسى ع لن يرجع إليهم ..
ما كاد القائد الرسالي يرجع إلى قومه بعد أن أعلمه الله تعالى بحقيقة ما يجري في غيابه " ﴿قال فإنّا قد فتنا قومك من بعدك وَأضلّهم السامريّ﴾ حتى فوجئ بأن خطا جديدا قد نشأ في غيابه ، خط تحريفي يقوم على تأليه المادة والأجسام ، بعد أن لم تستطع عقولهم أن تستوعب عقيدة الله المنزه عن الجسمية بكل لوازمها الباطلة ..أمام هذه المفاجأة الكبيرة ، انطلقت الحالة العاطفية الطبيعية لموسى ع في شكل غضب للحق على القوم المفسدين ﴿ولمّا رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي﴾ .
وقد أشار موسى ع إلى حقيقة التسرع وفقدان الأمل في الله تعالى ، لمجرد أن موسى ع لم يرجع إليهم في الموعد المحدد بينهم ، إذ قال لهم موسى ع : " ﴿أعجلتم أمر ربّكم﴾ ، ولا يجب أن نغفل عن حقيقة الملازمة بين النزعة المادية التي سيطرت على عقول قومه وبتحريض من السامري ، وبين الاستعجال الذي أوقعهم في الضلال ، فالإنسان المادي نجده متسرعا في قراراته وأقل قدرة على الصبر والصمود ، بينما الإنسان المؤمن بغيب الله وقدره ، لا يستعجل أمر الله ويصبر على ابتلائه راجيا عفو الله ورحمته .
أمام حالة الغضب التي سيطرت على القائد الرسالي موسى ع ، والذي ما غضب إلا لأجل الحق وكلمة التوحيد ، فإنه أراد أن يظهر لقومه حجم الجرم الذي اقترفوه ، فراح يعاتب أخاه هارون "القيادة النائبة" ويحملها مسؤولية التقصير في صيانة عقيدة التوحيد لدى القوم ﴿وألقى الألواح وأخذ بأس أخيه يجرّه إليه﴾ ، فما كان جواب القيادة الرسالية النائبة إلا أن اعتذرت بقلة حيلتها وقوة خط الباطل والانحراف وكثرة أنصاره، قائلا : " ﴿قال ابنَ أمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾ ، ورغم أن القيادة الرسالية النائبة والمنوب عنها لم ترتكب أي ذنب ، ولا تتحمل مسؤولية الاختيار المنحرف والتضليل السامري ، إلا أن موسى ع أراد أن يظهر للقوم فداحة الجرم الذي ارتكبوه ، لعلهم بذلك يستغفروا الله تعالى ويتوبوا إليه رجاء رحمته ، قائلا: " ﴿قال ربّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾ .
إنه ظهور الخط السامري كان سريعا ومفاجئا ، وهو بذلك يستغل أي حدث طارئ أو ثغرة يمكنه النفاذ منها، فاستغل النزعة المادية لدى قوم موسى ع كما استغل تأخر عودة موسى ع عشرة أيام بعد انتهاء الموعد المحدد ألا وهي ثلاثين ليلة ..وكما أن هذا الخط التحريفي ظهر بسرعة ، فإن القرآن الكريم لم يحدثنا عن معاندة ومواجهة كبيرة دارت بين "الخط الرسالي" و "الخط السامري" ، فبمجرد عودة القائد الرسالي إلى كيانه المجتمعي ، سرعان ما تهاوى الصرح التحريفي ، وتراجع السامري معتذرا بمجرد أن أعلنت القيادة الرسالية بدء المواجهة ، حيث أجاب عن سؤال التحدي الموسوي " ﴿قال فما خطبك يا سامري﴾ فرد وقال : " ﴿قال بصرت بما لم يبصروا فقبضت قبضة من أثر الرّسول فنبذتها وكذلك سوّلت لي نفسي﴾ ..ولهذا فيجب التذكير بأن الباطل سريع الظهور والانتشار ، لكنه أيضا سريع الزوال والاندثار ، تماما كما هو قانون المادة في الفيزياء ، أي أن المادة التي تكتسب الحرارة ببطء تفقدها ببطء كالماء ، والمادة التي تكتسب الحرارة بسرعة تفقدها بسرعة كالحديد .
رغم أن السامري انهار أمام قوة الحق التي مثلها موسى ع ، وعبر عن اتجاهه بأنه مما سولت له به نفسه ، غير أن القائد الرسالي موسى ع قرر أن يعزل اجتماعيا ، فالفكر المنحرف كالعدوى التي تعاود الانتشار كلما وجدت الظروف ملائمة لذلك ..وأنه مهما اعتذر فهو غير مأمون الجانب ، ولا ينبغي تصديقه أو تركه يتحرك بحرية في وسط المؤمنين ، وهو ما قاله موسى ع : " ﴿قال فاذهب فإنّ لك في الحياة أن تقول لا مساس﴾ .
وقيل أن معناها أن موسى ع دعا عليه أن يصيبه الله بمرض نفسي أو عضوي جعله يتحاشى أن يعيش وسط المجتمع ، منعزلا عن الآخرين ، مجيبا كل من يريد الاقتراب منه " لا مساس" أي لا تقترب مني ولا تلمسني إما بسبب حالة نفسية وسواسية أو لمرض عضوي أصابه الله به ..كما قيل أنه كانت في شريعة موسى ع أن من كان يرتكب ذنبا كبيرا أن يتم عزله ومقاطعته ..هذا على مستوى العقاب الدنيوي غير أن هناك عقابا أخرويا على ما قام به لا يمكن التخلف عنه ﴿وإنّ لك موعداً لن تخلفه﴾ .
ولكي يظهر موسى ع لقومه وللسامري قيمة الفكر المنحرف الذي اتبعوه ، فإنه حكم بتحريق "الإله الجسم" المزيف ، ونسفه في البحر " ﴿وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنّه ثمّ لننسفنّه في اليمّ نسفاً﴾ ، وهو بذلك يسقط آخر قدسية لإله مزيف أرادوا له أن يكون محل من تجب له القداسة وهو الله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفؤا أحد .
رغم أن قوم موسى ع أظهروا حالة من الندم على فعلتهم ، وانجرارهم في بداية الأمر خلف السامري ، وتصديق دعوته ، إلا أن الله تعالى شاء أن يحكم على من اتخذ العجل إلها من دون الله بأن يضرب عليه الذلة والمسكنة بسبب غضبه منهم : " ﴿إنّ الذين اتّخذوا العجل سينالهم غضبٌ من ربّهم وذلّة في الحياة الدنيا﴾ كما قال لهم أيضا : " ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ، فَتُوبُوا إلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ، فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ﴾ " .
إننا أيها الرساليون ، أيتها الرساليات أمام درس جديد من دروس التاريخ ، وقصة جديدة من القصص القرآني حيث شاء الله لنا أن تكون عبرة واعتبارا ، مثالا وتذكارا ، كي نكون من الأسعدين دارا ، وأهل الجنة قرارا، وممن يلوذ من النار فرارا ، فاعتبروا اعتبارا .
الخط الرسالي







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق