الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الإسلام المغربي : إرادة وطنية أم صراع إرادات ؟





تاريخ النشر: 2015-03-17 17:50:00

عدد القراءات: 1338














الإسلام المغربي : إرادة وطنية أم صراع إرادات ؟
عصام الحسني




خلاصة مقال ( إصلاح الحقل الديني) :
ضمن مقال نشرته في أبريل 2007 بالعدد الأول من جريدة ( رؤى معاصرة) قلت في خلاصته: ( أن المغرب المعاصر انفتح رسميا على مبادرة لإصلاح الحقل الديني المغربي، وهو ما عبرت عنه وأفصح عنه خطاب 30 أبريل 2004، وقد أبان الخطاب عن كون المبادرة لا تستهدف فقط حماية الإسلام الرسمي فقط، بل تهدف إضافة إلى ذلك، إلى تصحيح صورة الإسلام التي تأثرت كثيرا بتشويه من اتخذ العنف والتكفير منهجا للدعوة الإسلامية.
إننا نقف أمام مرحلة جديدة، وفصل جديد من فصول تشكيل الحقل الديني بالمغرب المعاصر، فهل سيكتب لهذا المشروع وهذه المبادرة النجاح ؟ وكيف يمكن للأجهزة الرسمية أن تصنع وعي الجماهير دينيا في وقت تزحف فيه الوسائط الإعلامية المختلفة، وأصبحت فيه المعلومة متحررة من القيود الجغرافية، ويتم تداولها بسرعة فائقة ؟!
إننا لا نعتقد أن هذه المبادرة ستفشل في خلق واقع جديد على مستوى الحقل الديني بالمغرب، لكننا في الوقت ذاته لا نعتقد بإمكان تجاوز خصوصيات الزمن العالمي المعاصر، بصعوبة تأميم الحقل الديني.
إن أقصى ما يمكن أن تفرزه هذه المبادرة : تشكيل خطاب ديني رسمي موافق للخصوصية التاريخية وللعصرنة، إلى جانب تيارات فكرية مختلفة، وهو ما سيبقي دائرة الجدل العميق من بين الأفكار الدينية والمذهبية، وهو أمر يحتاج إلى إدارته من قبل النظام السياسي المغربي بشكل حكيم ومتوازن.
إن إصلاح الحقل الديني المغربي يحتاج إلى تطوير المبادرة في اتجاه استيعاب كل الأفكار الدينية والمذهبية، وتجنب الرؤية الانتقائية للتراث الإسلامي ومنطق الإقصاء، فالمغرب المعاصر هو ملتقى الحضارات والأفكار والثقافات وفضاء للتسامح الفكري، ولابد من بلورة ذلك عمليا من خلال إطلاق دينامية الاجتهاد الحقيقي الذي يتجاوز كل السقوف المذهبية الضيقة، في خطورة ريادية في العالم الإسلامي لبناء إسلام معاصر منفلت من قبضة الفتن الكلامية والفوضى الفقهية.
إننا نعتقد أن المغرب مؤهل للعب دور ريادي على صعيد الأمة الإسلامية ككل، فكل الدوائر المذهبية تعيش اليوم أزمة اجتهاد، وهمّ تجديد الخطاب والمنهج، فبدلا من التقوقع على قواعد أصولية مذهبية وادعاء الممارسة الاجتهادية، فالأجدر بالمغرب المعاصر أن يدشن مرحلة المراجعات النقدية لكل التراث الإسلامي، وأن يسير في اتجاه دعم علم الكلام الجديد والاهتمام بفلسفة الفقه ومقاصديته كخطوة لتأسيس منهجي جديد لعلم أصول الفقه، وتنقيح التاريخ الإسلامي وتسليط الضوء على الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في التاريخ الإسلامي، وفتح نقاش عميق في القيمة النظرية والعملية لعلم الجرح والتعديل وبناء أسس جديدة لتقييم الحديث الشريف. وأيضا العودة إلى القرآن الكريم ليس فقط حفظا، بل فقها وتمثلا، وإدماج المعارف القرآنية في سائر العلوم الإسلامية من شأن ذلك كله أن يعزز قرآنية المعارف الدينية بوصف القرآن القاعدة الأساسية المتينة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وأساس توحد المسلمين جميعا.
إن هذه الأوراش المقترحة، لو تم إعلانها فإن المغرب سيصبح قبلة لكل العلماء المتنورين ومنبرا لتجديد الفكر الإسلامي، ومعقلا من معاقل التنوير الديني يشبه إلى حد ما العصر الموحدي وتأثيراته الإشعاعية على سائر العالم الإسلامي، وبذلك تتحوّل الخلافة المغربية -حاملة هموم المسلمين- إلى قطب ديني عظيم، تتهاوى إليه أفئدة الناس جميعا، لما يمثله مشروعها من حرص على إنقاذهم من التعصب والطائفية المذهبية والدينية، وإخراجهم من مخاطر الجهل والتطرف.
إن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم كما يقال، وخير وسيلة لتحصين الحقل الديني المغربي من مخاطر الانغلاق والتطرف وصراع المذاهب، هو المبادرة لإنتاج خطاب يتسامى على الحدود الضيقة لكل المذاهب والاتجاهات، ويرتقي لآفاق القرآن الكريم بوعي توحيدي وبنظر تجديدي.
إن البعد المؤسسي حاجة ضرورية لإبعاد الحقل الديني من الفوضى الدينية شريطة الانفتاح على كل الطاقات والكفاءات المتنورة وإدماجها في تلك الهياكل، وإن البعد التأطيري بعناصره الأربع في غاية الأهمية من جهة تقريب الخطاب الديني من المواطنين وإشراك المرأة وتأكيد مرجعية الفتوى في الشأن العام وإحياء مكانة العلماء، لكن ذلك يحتاج أيضا إلى التزام منهجية معرفية منفتحة ومرنة في ممارسة العملية الاستنباطية، بحيث تتعامل مع الموروث الإسلامي كملك جماعي ليس حكرا على بلد دون بلد، دون أن يعني ذلك التسليم لكل ذلك الموروث وإنما التعاطي معه في ذات الوقت بوعي نقدي يسائل كل المفردات التراثية ابتغاء الحق والإنصاف.
وأخيرا، إن الإصلاح التربوي والمنهجي جزء أساسي وضروري لإصلاح الشأن الديني وتقويم الوعي الاجتماعي بالدين، لكن ما يتعلق بمادة التربية الإسلامية يجب أن يكون من اختصاص علماء المغرب في أي شكل مؤسسي لذلك، ويقدم بعد دراسة مستفيضة تصور شامل لإدماج التربية الإسلامية في المنظومة التعليمية الوطنية، تقوم الحكومة باعتماده وتكييف مناهج التعليم والتربية وفقها، تأكيدا على مكانة العلماء كما نص على ذلك الخطاب الملكي، وأيضا تجنيبا لموضوع الهوية الدينية من تدخل المنطق السياسي التوظيفي، إذ الحقل السياسي بطبعه غير موحد ويقتضي الاختلاف كما بين الخطاب الملكي.
إننا لنجد في خطاب العرش الأخير ما يقوي الظن على كون هذه المقترحات تتقاطع في كثير منها مع الدعوة الملكية إلى إعلان نهضة فكرية تنويرية ، ينخرط فيها علماء ومثقفو المغرب في نوع من الاستنفار العقلي والطوارئ الاجتهادية لإنقاذ البلاد والعباد من مخاطر الجهل والتعصب والتطرف حيث جاء في الخطاب الملكي ما نصّه :" ..الإبداع الثقافي والفكري، كفاعل قوي، في محاربة التطرف والظلاميين. مؤكدين ضرورة نهوض العلماء، والمثقفين وهيآتهم، بمسؤولياتهم في التوجيه والتنوير. وإذا كان من طبيعة الفكر أن يمر بفترات مد وجزر، فإنه من غير المقبول جعل أزمة الفكر تترك المجال فارغا للترويج لفكر الأزمة. فبلادنا في أمس الحاجة، لبعث صحوة دينية متنورة، ونهضة فكرية عصرية".
إننا نعتقد أن تشكيل حركة فكرية معاصرة اليوم ، بات المدخل لصياغة وعي تنويري ومقدمة لبناء تجربة تنموية رائدة .
إن هذه بعض التأملات والملاحظات حول مشروع الإصلاح الديني بالمغرب، نثيرها أمامكم حرصا على تطوير النقاش وإغنائه بما يتيح من فرص أكبر لبناء فضاء ديني أصيل ومعاصر في نفس الوقت ) .

الحقل الديني المغربي اليوم :
واليوم ، بعد مرور ثماني سنوات على نشر ذلك المقال ، أعتقد أن متغيرات كثيرة قد حدثت تسمح لنا بالوقوف من جديد لتقييم حصيلة المشروع ، ومن حقنا أن نتساءل هل استطعنا فعلا إعادة إنتاج وصياغة ما يمكن تسميته ب ( الإسلام المغربي) ؟ وهل هناك جيوب قاومت ولا تزال هذا المشروع ؟

قاعدة ملكية ( الدين والسياسة لا يجتمعان إلا في شخصه ) :
لقد سطر الملك محمد السادس قاعدة الفصل وعدم الاشتباك بين الدين والسياسة على مستوى الأمة و توحدهما في شخص الملك بصفته الدينية ( أمير المؤمنين) إذ قال بأن الدين والسياسة لا يجتمعان إلا في شخص أمير المؤمنين ..لكن هل فعلا التزمت كل الأطراف المجتمعية بهذه القاعدة ؟ !

حركة التوحيد والإصلاح تزاحم إمارة المؤمنين :
إنني أعتقد أن حركة التوحيد والإصلاح ضربت هذه القاعدة من خلال الالتفاف عليها ، فتم إيجاد جسمين متناسقين متكاملين للحركة : جسم دعوي ديني وآخر سياسي ، الأول من خلال عنوانية حركة التوحيد والإصلاح والثاني من خلال حزب العدالة والتنمية ..وبهذا تم للحركة الجمع بين الحقلين معا : الدين والسياسة ..مما يعني أن الحركة فككت الحق الحصري لأمير المؤمنين بالجمع بينهما .
التوحيد والإصلاح جمعية أم جماعة ؟

بالعودة إلى النص القانوني لا نجد أي مستند شرعي لمصطلح ( حركة) ، وهو مصطلح غامض فضفاض ، بينما الواقع أن (التوحيد والإصلاح) هي جمعية ثقافية وليست جماعة أو حركة..كما أن العديد من أنشطة هذه الحركة يتخذ طابعا دينيا ، مما يعني أننا أمام جهة غير المؤسسة الدينية الرسمية تمارس تدخلاتها في الحقل الديني ، بل إن الحركة تغلغلت في المؤسسة الدينية الرسمية على مستوى المجالس العلمية والمساجد والدعوة والإرشاد ..وهو ما يشكل الدعامة القاعدية لحزب العدالة والتنمية ، مما يجعل الدين في خدمة الأغراض السياسية ..

شيوخ الإفتاء من خارج المؤسسة الدينية :

من جهة أخرى ، لاحظنا وجود مشايخ إما لا ينتمون إلى المؤسسة الدينية الرسمية ويمارسون الدعوة والإفتاء من خلال جمعية ثقافية أو يقوم بتنزيل دروسهم وفتاواهم الدينية في الحفلات الشعبية على اليوتيوب ، مع الادعاء طبعا أن محبيهم من يقومون بنشر ذلك دون إذن منهم كي لا يتحملوا المسؤولية القانونية ..وقد أنتجت حالة الفوضى هذه فتاوى جنسية غريبة وأخرى تكفيرية لرموز الحركة الوطنية المغربية ولأحزاب سياسية يسارية وللشيعة المغاربة ..بل أنتجت أيضا ظاهرة خطيرة وهي التحاق شباب مغاربة بالقتال في صفوف منظمات إرهابية دولية ( القاعدة ، جبهة النصرة ، داعش ..) .

المغرب من استيراد الإرهاب إلى تصديره :

إن كان الدولة المغربية قد انطلقت في مشروع إصلاح الحقل الديني سنة 2004 من خلفية الحدث الإرهابي الذي ضرب الدار البيضاء في 16 ماي 2003 ، فإننا من خلال مقارنة بسيطة بين سياق 2003 والسياق الحالي نستطيع القول أن الخلايا الإرهابية كانت في الغالب من تأسيس أجانب قدموا للمغرب ( سعوديين ، تونسي ..) ، مما يعني أننا كنا نستورد الإرهاب إلا أننا اليوم أصبحنا من البلدان المصدرة للإرهاب بالنظر للأعداد الكبيرة من المسلحين المغاربة في صفوف (النصرة) و(داعش) و(القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) و(أنصار الشريعة) ببلجيكا ..وهذا بفضل التجييش الذي مارسه شيوخ وجمعيات سرعان ما حاولوا التنصل من دعوتهم الشباب للنفير إلى الشام والقتال هناك بعد أن تبين لهم أن الغرب والدولة أصبح لهما مقاربة مغايرة للملف .
إن الانتقال من مستوى استيراد الإرهاب إلى تصديره يدفعنا إلى الوقوف عند مآلات مشروع إصلاح الحقل الديني ، فمن الواضح تماما أن المشروع قد تم اختراقه من قبل قوى ذات مرجعية مغايرة للإسلام المغربي بركائزه الثلاث ( الأشعرية في العقيدة ، والمالكية في الفقه ، والتصوف في السلوك ) ، وهو ما أفرغ المبادرة من محتواها الإصلاحي .

الإسلام المغربي و(تقية) السلفيين :

إن معظم الأصوات التي تدعي اليوم الدفاع عن ( الإسلام المغربي) ليس لها من هذه ( المغربة) إلا الجلباب والطربوش في المناسبات الدينية ، بينما هي تنتمي لتيار مشرقي خليجي المنشأ ( التيار السلفي الوهابي ) ، ويحاول البعض إيهام المغاربة بأن سلفية الزعيم علال الفاسي ومحمد بلعربي العلوي هي ذاتها سلفية نجد ..في محاولة لتبيئة هذا التيار وتعميق اختراقه للنسيج الثقافي المغربي الصوفي الهوى والهوية والأشعري المعتقد .
إن الزعيم علال الفاسي لم يكن حنبليا في الفقه ولا من أهل الحديث في العقيدة ولم يكن يعتبر التصوف شركا وابتداعا في الدين ..إن سلفية علال الفاسي وبلعربي العلوي مرتبطة بسياق إقليمي محدد حيث انطلقت النهضة الفكرية الإصلاحية التي أرسى دعائمها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والتي كانت سلفية بالمعنى اللغوي أي الرجوع للتراث الإسلامي لا إلى أدبيات ابن تيمية وابن عبد الوهاب ..
بينما سلفية التيار السلفي لا تنطلق من كتابات النقد الذاتي لعلال الفاسي ومن أدبيات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان بلعربي العلوي وسيدي عبد العزيز بن الصديق رحمهما الله من راوده وفقهائه ..

الحقل الديني وضرورة الحزم في مواجهة الاختراق:

إننا نقف اليوم أمام مرحلة تاريخية ، تحتاج ممارسة الكثير من الحزم في ضبط الحقل الديني الرسمي ومنع المتسللين إليه والمشوشين عليه من خارجه ، كما أننا بحاجة ماسة إلى منع الجمعيات الثقافية التي تندرج في إطار المجتمع المدني من التداول في القضايا الدينية وتركها للجهة المختصة وهي ( المجلس العلمي الأعلى للإفتاء برئاسة الملك أمير المؤمنين) ، وإلا فإننا سنبقي حالة الفوضى الدينية التي يموجبها تمارس جمعية ثقافية دور المؤسسة الدينية الرسمية وتجمع جماعة دينية الدين والسياسة منافسة بذلك موقع ( إمارة المؤمنين) الذي اعتبر فيه الملك نفسه الجهة الوحيدة المخولة بالجمع بين المجالين .
أخيرا ، يمكن القول أن ( الإسلام المغربي) أرسى دعائمه مولاي إدريس سلام الله عليه وجمع بين العرب والأمازيغ ، سيتحول إلى خطاب نظري لا يمت للواقع بصلة بالنظر إلى زحف تيارات الإسلام السياسي من جهة والتيار الوهابي من جهة أخرى على الحقل الديني بذريعة العمل الجمعوي أو المشاركة في هياكل المؤسسة الدينية الرسمية ..فالإسلام المغربي كهوية أمامه تحديات خطيرة وصراع إرادات ستحدد مساره على نحو فيه يكون أو لا يكون ..







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق