الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


داعش والنصرة في رقعة الشطرنج





تاريخ النشر: 2015-03-08 19:00:00

عدد القراءات: 1246



















(داعش) و(النصرة) في رقعة الشطرنج

مدخل :
قام قسم الدراسات والأبحاث في مؤسسة الخط الرسالي للدراسات والنشر بعملية رصد المعطيات والمؤشرات المتعلقة بتطور الأحداث المتصلة بالتنظيم الإرهابي ( داعش) ، في محاولة لقراءة المسارات المستقبلية الممكنة لهذا التنظيم ، استشرافا للمستقبل وضبطا لاتجاهات الصراع مع الإرهاب في المنطقة ، وذلك من خلال المقال الاستراتيجي التالي .
إن عملية رصد للمؤشرات الأولية تفيد أن تنظيم البغدادي يتكبد خسائر فادحة بشكل يومي في كل من سورية والعراق بسبب الضربات الجوية للتحالف الدولي المناهض له ، وأيضا بفعل ضربات الجيشين العراقي والسوري ، وهو ما يعني أن هذا التنظيم بما يملك من أموال وشبكة علاقات عالمية سوف يفكر في الانتقال من موقع إلى آخر .
من خلال تتبع تطور الأحداث المتصلة بهذا التنظيم الإرهابي نجد أنه كان على الدوام يخرج من كل أزمة من خلال ( هجوم تكتيكي) ، و يمكن القول أن تنظيم البغدادي انتقل من الهجوم التكتيكي الثاني ويحضر للهجوم التكتيكي الثالث ، وبالتالي يسعى للتحول من مجال الشرق الأوسط إلى المجال الإفريقي في عملية انزياح منظم من موقع إلى آخر ضمن رقعة الشطرنج.
الهجوم التكتيكي الأول :
حيث أنه لما شعر البغدادي بأن جبهة النصرة سحبت البساط من تحت أقدام تنظيم ( الدولة الإسلامية في العراق) بفعل التحاق أعداد متزايدة من المقاتلين الأجانب بالجبهة السورية ، قرر الدخول إلى سورية ومزاحمة الجولاني هناك .. فأصبح تنظيم البغدادي يحمل اسم ( الدولة الإسلامية في العراق والشام) أو باختصار ( داعش) ، وهي بمثابة هروب نحو الأمام لإرباك جبهة النصرة وتوسيع نطاق حركة الفصيل القاعدي بالعراق داخل التراب السوري ..
الهجوم التكتيكي الثاني :
وذلك عندما لجأ الجولاني إلى طلب التحكيم من التنظيم الأم ( القاعدة) وشعر البغدادي أن الظواهري يريد تحجيم أطماع البغدادي ونزعاته التوسعية كي لا يتم تهميش مكانة ودور ( القاعدة) وهو ما ظهر جليا في خطاب أيمن الظواهري الذي حاول ترسيم حدود سلطة التنظيمين ( الدولة الإسلامية في العراق) و ( جبهة النصرة) بما يحفظ هيمنة( القاعدة) على كليهما ، فتحرك (البغدادي) -بعد مشورة قيادات بعثية سابقة وقفت إلى جانبه- نحو الأمام مجددا بإعلان (الخلافة) وهو ما يعني محاولة لسحب البساط من التنظيم الأم نفسه (القاعدة) .
الهجوم التكتيكي الثالث :
ما أن تشكل التحالف الدولي وشرع في قصف مواقع تنظيم البغدادي وتحرك الجيشين العراقي والسوري والمتطوعين في البلدين في مواجهة ( داعش) حتى شرع البغدادي في التخطيط لهجوم تكتيكي آخر من خلال إعلان النفير العام الإلكتروني للتعويض النفسي والإعلامي عن الخسائر الميدانية ، بل إنه أرسل بعض المقربين منه ( سعودي سابقا ثم بحريني حاليا ) لجلب التأييد من شيوخ السلفية في السعودية و ليبيا و تونس ومصر والمغرب ..
عمليا استطاع المقربون من البغدادي ضمان تأييد بعض المجاميع السلفية في ليبيا وتونس ومصر وقد استشعر ما يسمى ( القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) خطورة تحرك البغدادي في المنطقة لسحب البساط من جديد من تحت أقدام القاعدة في منطقة المغرب الكبير ..فأعلن أنصار الظواهري بالمنطقة ( جماعة عبد الواحد درودكال) نيتهم التصدي لدخول داعش إلى المغرب الكبير، كما وجد التنظيم صعوبة في التواصل مع بعض شيوخ السلفية الجهادية المغربية الذين تضرب عليهم السلطات الأمنية رقابة شديدة خاصة في تطوان ، ومنهم معتقلون أفرج عنهم سابقا من السجون المغربية .
شكل إعلان جماعة بيت المقدس في مصر مبايعتها للبغدادي وكذا تحول جماعة ( أنصار الشريعة) في ليبيا وتونس إلى أذرع لداعش في منطقة المغرب الكبير وأيضا مبايعة جماعة ( أنصار الدين ) بمالي والتي تنشط فيه أيضا جماعة جزائرية وهي جماعة مختار بلمختار ، و جماعة ( بوكو حرام ) في نيجيريا الموالية لداعش ، تحولات استراتيجية جديدة في مسار هذا التنظيم الإرهابي ، حيث باتت المنطقة الإفريقية الأكثر إغراء للبغدادي للتحول إليها ..
إن ليبيا أصبحت العمق الاستراتيجي لداعش في شمال إفريقيا وقاعدة عملياتها المختلفة ، خاصة بعد أن كان تنظيم ( أنصار الشريعة ) قد سيطر على مدينة درنة ، مما جعلها تتحول إلى ولاية من ولايات تنظيم ( الدولة الإسلامية) ، فعين عليها البغدادي واليا يمنيا ( أبو البراء الأزدي) ومفتيا سعوديا ( أبو حبيب الجزراوي) ، وهو ما يثير حساسية أنصار الشريعة المستبعدين من قبل البغدادي ، حيث يبدو أنه لا يثق كثيرا في القيادات الليبية هناك .
لقد مثلت سيطرة (داعش) على درنة تحديا كبيرا للأمن والاستقرار ليس فقط داخل ليبيا بل لعموم منطقة شمال إفريقيا ، وكانت مصر من الدول الأولى في شمال إفريقيا التي عانت من ذلك ، حيث وجه التنظيم الإرهابي ضربة قاسية للنظام المصري بإعدام أقباط على الساحل الليبي ..وقد بدأت الدول المغاربية تستشعر بقوة مخاطر التوغل الداعشي في منطقة المغرب الكبير ، ما دفع المغرب قبل فترة إلى تشكيل قوة أمنية متجولة ترفع شارة حمراء مكتوب عليها(حذر) ، وأيضا قبل أيام عممت وزارة الداخلية المغربية خطة أمنية على أعوانها لتشديد الرقابة على ذوي الفكر المتطرف الذين قد يتحولون إلى أدوات تخريبية بيد ( داعش) ..
وما نفي وزارة الداخلية التونسية ما أشيع عن اقتحام ( داعش) لحدودها مع ليبيا ، إلا مؤشرا إضافيا إلى كون (داعش) باتت تشكل تهديدا أمنيا حقيقيا بالنسبة إلى تونس وعموم دول المغرب الكبير .
إن الانجازات الكبيرة التي يحققها الجيش العربي السوري وأيضا الجيش العراقي بإسناد من الحشد الشعبي ضيقت الخناق كثيرا على تنظيم البغدادي ، الذي قال عنه نائب قائد شرطة دبي (ضاحي خلفان) أنه لا يوجد في العراق ولا في سورية وأنه غادر إلى ساحل العاج بجواز سفر عراقي مزور ، وتحداه أن يظهر في خطبة جمعة جديدة بالعراق أو سورية .
إن صحت معطيات ضاحي خلفان فإن توجه البغدادي إلى دولة إفريقية وهي ساحل العاج ، يعني أنه يتوفر بها على أرضية ما أو أنه سينتقل منها إلى دولة إفريقية أخرى ، ما يعني أن إفريقيا أصبحت الملاذ الجديد للبغدادي وتنظيمه ..
إن إعادة نشر بيعة جماعة ( بوكو حرام) للبغدادي وهي التي تمت السنة الماضية ، تحمل رسالة واضحة إلى أن تنظيم البغدادي انتقل فعليا إلى إفريقيا ، وهو ما يعني أن فراغا استراتيجيا سيحصل في العراق وسورية ، سيكون لفائدة محور ( إيران ، سورية ، العراق ) ، وهو الأمر الذي يقلق تركية وقطر والسعودية ، حيث لم يعد هناك في الساحتين السورية والعراقية فصيل مسلح يمكن أن يتم الاعتماد عليه لتغيير موازين القوى ، مما دفع هذه الدول إلى التفكير في إعادة تشكيل ( جبهة النصرة) وتسويقها بديلا استراتيجيا في تلك المنطقة عن انزياح (داعش) نحو إفريقيا .

جبهة النصرة ..التعويض الاستراتيجي عن الانزياح الداعشي :
إن الضربات القوية التي تلقتها جبهة النصرة بقيادة الجولاني خاصة بريفي إدلب و حلب وخسارتها للعديد من قيادييها ( أكثر من 19 قيادي) ابتداء من أبي خديجة الجولاني وصولا إلى أبي همام السوري ، وسعي دول إقليمية إلى توظيف ( جبهة النصرة) في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة ، تتصادم مع كون ( جبهة النصرة) هي فرع لتنظيم ( القاعدة) المصنف كأكبر تنظيم إرهابي في العالم.
تتوالى المعطيات التي تتحدث عن جهود إقليمية للضغط على جبهة النصرة كي تعلن انفصالها عن تنظيم القاعدة ، هذا وقد سبق لأبي محمد الجولاني أن أعلن في تسجيل له أمام عدد من أنصاره قبل أشهر عن قرب موعد إعلان إمارته (الإسلامية) ..وهذا يعني بالضرورة أن التنظيم ينوي منذ فترة فك الارتباط بالقاعدة وإعلان الإمارة ، بعدما هربت داعش إلى الأمام وأسست ( خلافتها) الخاصة بها .
من هذا المنطلق ، نتوقع أن يتم خلال الفترة القادمة القريبة إعلان إمارة لجبهة النصرة في شمال سورية ، بعد فك الارتباط بتنظيم القاعدة ، وسيحظى هذا التنظيم الإرهابي بالدعم الإقليمي الكبير خاصة من تركية وقطر والسعودية و إسرائيل ..فهذا التنظيم باعتراف قادة الجيش الإسرائيلي يقوم بمنع استهداف الكيان الصهيوني من جبهة الجولان التي وصل إليها مقاتلو حزب الله منذ فترة من خلال محافظة القنيطرة لبناء مقاومة مسلحة جديدة على غرار حزب الله في جنوب لبنان ..وقد سبق للأمين العام لحزب الله أن وصف جبهة النصرة بكونها إعادة إنتاج صيغة ( جيش لحد الجنوبي) الذي كان يحمي أمن إسرائيل من خلال هيمنته على شريط حدودي مع الدولة العبرية .
ختاما ، نقول إن انزياحا داعشيا يتم من الشرق الأوسط إلى إفريقيا ، و تموقعا جديدا سيتم لجبهة النصرة لتعويض الفراغ الذي سيتركه ( داعش) بعد الانزياح ..مما يعني أننا أمام حركة انزياح وتعويض بما يشبه حركة البيادق في رقعة الشطرنج ..ليبقى الصراع الإقليمي بين المحاور قائما وليظل ( الإرهاب) بمثابة الأداة الاستراتيجية التي تستعمل لمجابهة تنامي نفوذ محور الممانعة في المنطقة .
حقوق النشر محفوظة لمؤسسة الخط الرسالي للدراسات والنشر
قسم الدراسات والأبحاث







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق