الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الخط الرسالي بعد رحيل السيد فضل الله رض





تاريخ النشر: 2014-10-14 07:50:00

عدد القراءات: 2218











الخط الرسالي بعد رحيل السيد فضل الله رض *
عصام احميدان الحسني
إن الخط الرسالي هو خط يقوم على وعي الرسالة من خلال منطق حركي، بحيث تتحول كل المفردات التي تنتمي إلى دائرة النص الديني إلى مفاهيم متجددة ومتحركة على صعيد الواقع الشديد الحركة والتحول .
إن الخط الرسالي هو خط يقوم على وعي الرسالة من خلال منطق حركي، بحيث تتحول كل المفردات التي تنتمي إلى دائرة النص الديني إلى مفاهيم متجددة ومتحركة على صعيد الواقع الشديد الحركة والتحول، وهو الأمر الذي جعل المرجع المقدس آية الله السيد فضل الله يؤكد على كون «الرساليين هم الأقدر على فهم القرآن الكريم» على اعتبار أن القرآن ليس كتابا فلسفيا بل هو كتاب دعوة، حركة وحياة.
ومن هذا المنطلق فالخط الرسالي هو الخط الذي يذوب فيه الرساليون انتصارا لقيم الرسالة، وهو الخط الإسلامي الأصيل، والأقرب إلى روح النص الديني، وتبعا لذلك، فإن مسؤولية السائرين في الخط الرسالي كبيرة جدا، بما يملكون من قدرة أكبر على تمثل الرسالة وعيا وحركة،ولهذا كان دائما المرجع الراحل المقدس السيد فضل الله يقول «إني أحرم الراحة على الرساليين» وقد حرم قدس الله روحه الراحة على نفسه باعتباره أبا ملهما وقائد الرساليين السائرين في خطى الرسالة.
إذا كان الرساليون هم الأقدر على تفسير القرآن الكريم، وأيضا هم من يحرم عليهم الخلود للراحة، فإن سماحة المرجع الراحل السيد فضل الله قده، يكون بذلك قد أوكل مهمة الفكر والحركة في الخط الرسالي لأولئك الذين يستشعرون الإسلام عقيدة متحركة ومفاهيم متجددة وبديلا تاريخيا وحضاريا لأمة ابتعدت نوعا ما عن جوهر هويتها الحضارية ورسالتها الإنسانية.
ونحن بعد رحيل آية الله السيد فضل الله قده، نتساءل عن مستقبل الخط الرسالي، والذي هو عنصر أساسي لديمومة واستمرارية فكر ونهج الإسلام الأصيل، وأيضا لاستمرارية الوفاء للنبي والأئمة ع والعلماء الربانيين رض..فما هي آليات العمل لاستمرارية الخط الرسالي بعد رحيل قائد من قادته ؟ وخاصة بعد رحيل آية الله السيد فضل الله قده ؟
من خلال معرفتي المباشرة بالراحل آية الله السيد فضل الله قده خلال فترة دراستي الحوزوية بالحوزة التابعة له، وأيضا من خلال حوار أجريته معه مسجل لدينا، يمكن القول انه لاستمرارية نهج الراحل وفكره الإصلاحي يجب العمل على ما يلي :
أولا - على مستوى الجبهة النظرية للإسلام الأصيل :
تأصيل العقيدة.
تأصيل المفاهيم.
تأصيل المنهج.
ثانيا- على مستوى الجبهة الحركية للإسلام الأصيل :
المرجعية المؤسسية.
المبدئية الواقعية.
شمولية الأهداف والوسائل.
فالراحل المقدس السيد فضل الله كان شديد التحفظ والتدقيق في كل مصطلح يتم تداوله، فلا أزال أذكر أنه في إحدى حواراتي معه استعملت مصطلح «التجديد» وأبدى السيد قده تحفظه منه، وأيضا مصطلح «الحداثة» على اعتبار ألا قيمة إيجابية في الجديد بحد ذاته، إنما هي قيمة الحق التي يجب اقتفاء أثرها في كل فكرة تثار هنا أو هناك.
إن عملية التصحيح التي يمارسها الخط الرسالي في صفوف الأمة وقواعدها، هي عملية عميقة لا تستهدف مجرد توزيع مضمون رسالي على أفراد الأمة وجموعها، بل تقوم على أساس تأصيل الجوانب النظرية للإسلام الأصيل، حتى على مستوى المفاهيم والمصطلحات، فالراحل المقدس السيد فضل الله كان شديد التحفظ والتدقيق في كل مصطلح يتم تداوله، فلا أزال أذكر أنه في إحدى حواراتي معه استعملت مصطلح «التجديد» وأبدى السيد قده تحفظه منه، وأيضا مصطلح «الحداثة» على اعتبار ألا قيمة إيجابية في الجديد بحد ذاته، إنما هي قيمة الحق التي يجب اقتفاء أثرها في كل فكرة تثار هنا أو هناك.
وكان بحسب ما أذكر قد صدر عدد من مجلة كان يشرف عليها الأخ عبد الرزاق الجبران وهي مجلة «الوعي المعاصر» بحيث كان ملف العدد عن «التنوير» فدار بيني وبين سماحة الراحل المقدس حوار حول المصطلح، فأبدى لي تحفظه من استعمال المصطلحات، على اعتبار أن كل مصطلح يحمل في ذاته خلفية فكرية محددة، مما يستوجب الحذر الشديد من كل إثارة لكلمة قد تحمل في داخلها مدلولا سلبيا، قد لا يريده بالضرورة المتكلم ويشوش على وعي السامع.
إن الخط الرسالي من الناحية النظرية، وبحسب فكر الراحل المقدس السيد فضل الله، يعمل على تأصيل الفكر الإسلامي من خلال العناصر التالية:
أولا - تأصيل العقيدة: من المعلوم أن هناك فرقا بين العقيدة الإسلامية في عناصرها الأصلية والجوهرية وبين المقاربات التأويلية سواء الفلسفية أو الكلامية أو العرفانية أو ما شابه ذلك، فدخول هذه المقاربات على خط تأويل المعتقد، أفضى في نهاية المطاف إلى رسم معالم مختلفة لوعي العقيدة الإسلامية، وكان سماحة الراحل السيد فضل الله (قده)شديد الحذر من كل هذه المقاربات، ودائم الحرص على ربط العقيدة بمرجعية «القرآن الكريم والعترة الطاهرة» على اعتبار أنها المرجعية التي يمكن التعويل عليها دائما لحفظ معالم العقيدة الإسلامية وتفاصيلها،
لما تمتلك هذه المرجعية من عصمة، وحيث ان أئمة أهل البيت ع قد أكدوا ضرورة الإحالة على القرآن الكريم لتمييز ما صدر عنهم عما نسب لهم من قول، فإن قرآنية المعرفة العقدية يمثل العمود الفقري والمدخل الأساس لتأصيل العقيدة الإسلامية، وبالتالي يجب العمل على استخراج منطلقات العقيدة الإسلامية الصحيحة من خلال القرآن الكريم بوصفه الثقل الأكبر، ثم مما نقطع بصدوره من أئمة أهل البيت (ع)، بوصفهم عدل القرآن الكريم والثقل الأصغر.
ثانيا - تأصيل المفاهيم: إنه كما قلنا سابقا في بداية هذه الحلقة، فإن سماحة الراحل السيد فضل الله (قده) كان شديد الحذر في استعمال المصطلحات لما لها من ارتباط وثيق بعالم المضامين والمحتويات والخلفيات الظاهرة وكذا الباطنة..
من هذا المنطلق نحن أمام مفترق طرق، إما تجديد المفاهيم أو تأصيلها، وحيث ألا قيمة للجديد أو للقديم، بل القيمة للأصيل والحق، فإن تمحيص المفاهيم المتداولة لدى أفراد الخط الرسالي وكذا التي يتم تداولها من قبل الأمة يدخل ضمن مسؤولية الرساليين، على أن تتم عملية التأصيل على قاعدة العرض على القرآن الكريم والعترة الطاهرة لتأسيس مفاهيم قرآنية يمكن تحريكها داخل الأمة بما يجعل القرآن ككتاب حركة يتحرك من جديد في وعي الأمة وتمثلاتها ولو من خلال المفاهيم التي يتم تحريكها،
من قبيل: الاستضعاف، الاستكبار، الاستخفاف، الحق، الباطل، المنكر..مع إعطاء إشارات من وحي الواقع لهذه المفردات، من قبيل: الاستكبار العالمي، والفرعونية السياسية والقارونية المالية..مما يعيد إنتاج الرموز القرآنية والمصطلحات القرآنية في وعي الأمة تأكيدا على قرآنية المفاهيم. ثالثا - تأصيل المنهج: إن عملية التأصيل لدى فقيدنا الراحل آية الله السيد فضل الله (قده)، ليست عملية شكلية فقط تنحصر في إطار المصطلحات والمفاهيم، وإنما أيضا هي عملية عميقة ممتدة في أصول المنهج الفكري الإسلامي، فكثير من المناهج المستحدثة في تفسير النصوص تقوم على إسقاطات غير موضوعية،
بحيث يتم تفسير القرآن والسنة على ضوء مقاربات تأويلية متعسفة، انتهت ضمن ما انتهت إليه إلى مصادرة روح النص وإرادة المتكلم، فأصبح النص محكوما بذهنية المفسر، مع العلم أن غرض النص هو أن يكون الحاكم في توجيه الأذهان وتصحيح التمثلات.. إن هذا الأمر يعني بالضرورة أن للقرآن الكريم منهجه الخاص به، والذي ينبغي البحث عنه، وهو منهج يقوم على تفسير نفسه بنفسه، وهو ما يمكن وصفه ب «قرآنية المعرفة القرآنية»، كما أن سماحة السيد (قده) كان يؤكد دائما على ضرورة تجنيب النص الديني المنطق الحرفي واستبداله بالمنطق العرفي، وأيضا تجنب «الوعي الهندسي» للنص الديني بحسب تعبير الراحل السيد فضل الله (قده)،
والذي هو وعي يتعاطى مع النص بدقة هندسية قد لا تكون بالضرورة مقصودة لدى المتكلم، مما ينجم عنه الخروج بنتائج غريبة عن مراد المتكلم، ولذا كان الراحل المقدس يؤكد دوما ضرورة استجلاء المنطق العرفي لأن المتكلم كان يتكلم بما يتعارف عليه الناس في ذلك الزمان، وهو ما يمكن اعتباره جوا اجتماعيا للنص، ومفتاحا لإعادة المعنى الغائب والمغيب في وعي النص.
ثانيا- على مستوى الجبهة الحركية للإسلام الأصيل:
وتتجلى أهم منطلقات الخط الرسالي على صعيد الجبهة الحركية للإسلام الأصيل من خلال العناصر التالية:
-1 المرجعية المؤسسية:
«أن تكون المرجعية مؤسسة بحيث ان المرجع عندما يأتي، يأتي إلى مؤسسة تختزن تجارب المراجع السابقين، بحيث تكون كل الوثائق التي تمثل علاقات المرجع بالعالم وتجاربها وخصوصيات القضايا التي عالجتها حتى في مسألة الاستفتاءات والأسئلة والأجوبة، متوفرة للمرجع الجديد الذي يجد كل هذه التجارب جاهزة في مؤسسة المرجعية ليبدأ من حيث انتهى المرجع السابق، لا ليبدأ بعيداً عن كل التجارب السابقة»، ذلك هو تحديد المرجع الراحل السيد فضل الله «قده» للمرجعية المؤسسية، وهو مثبت في كتاب «المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية»،
وصحيح تماما أن السيد (قده) عندما كان بصدد توضيح معالم المرجعية المؤسسية، فإنه كان يفكر في المرجعية الشيعية العالمية والتي تمثل كل الكيان الشيعي في العالم على طريقة «الفاتيكان» كما كان يردد دائما، غير أن عدم إمكانية تحول هذا المشروع إلى واقع عملي ملموس ضمن الأفق الواسع الذي فكر فيه سماحته، لا ولن يمنع من التفكير في مؤسسة العمل المرجعي ضمن حدود مرجعيته، لإعطاء النموذج.
وبناء على ذلك، فإن العلاقة بين الخط الرسالي والمرجعية هي علاقة مؤسسية تتفاعل من خلالها الطليعة المؤمنة مع القيادة الربانية ضمن صيغة عملية مؤسسية، وبالرجوع إلى كتاب ألفه الراحل السيد فضل الله (قده) في منتصف الثمانينيات وهو «الحركة الإسلامية وهموم المستقبل»، ناقش السيد «قده» صيغتين من العمل الرسالي: صيغة العمل الطليعي الصرف أو ما اصطلح عليه بـ «حزب الأمة»، وصيغة العمل المرجعي الصرف أو ما اصطلح عليه بفكرة «أمة الحزب»،
وفضل السيد (قده) حلا وسيطا بين حزب الأمة وأمة الحزب، أي حلا وسيطا بين العمل المرجعي الصرف والعمل الطليعي الصرف، وهو عمل يمتزج فيه دور العلماء الربانيين ودور الطليعة المؤمنة، ولعل هذا الأمر هو ما طوره لاحقا في صيغة الحديث عن «المرجعية المؤسسية»، ففكرة العمل المؤسسي الجامع بين عمل الفقيه وعمل الأمة هي ذاتها الحاضرة في فكرة المرجعية المؤسسية.
-2 المبدئية الواقعية:
إن خصوصية الطرح لدى الراحل السيد فضل الله (قده) تتمثل في كون السيد (قده)كان رائد الواقعية السياسية التي لا تفرط في المبادئ ولا تتحول إلى وقوعية سياسية، فالسيد(قده) وفي العديد من حواراتي معه، كان يؤكد أنه دائما هناك ممرات للفعل الرسالي، مهما سدت الأبواب،
ولكن المشكلة هي أن القائمين على العمل الإسلامي قد لا يكونوا بالمستوى المطلوب لاكتشاف الثغرات الموجودة هنا أو هناك، كما أن السيد (قده) كان يؤمن بأن نظرية التغيير ونظرية الممارسة ليست جامدة وذات خط سير واحد، بل إن التغيير قد يتم من خلال منعرجات وتوقفات إرادية ورجوع وتقدم وما إلى ذلك..كما أن كل الثنائيات «السرية والعلنية، النخبوية والجماهيرية، المشاركة والمقاطعة..» هي خيارات متاحة أمام الخط الرسالي، تعزز موقعه وقوته على الفعل والتغيير على صعيد الواقع.
-3 شمولية الأهداف وشمولية الوسائل:
كان سماحة السيد (قده) يؤمن أن الإسلام الأصيل هو رسالة تغيير شمولي، وأنه لا يمكن اختزال التصور الإسلامي في زاوية من زواياه، ولا بعد من أبعاده، وحيث ان الخط الرسالي هو خط تنزيل وعي وتمثل للرسالة على أرض الواقع وفق خطة، فإن هدف الخط الرسالي هو الإصلاح الشمولي.
وبناء على شمولية الأهداف بالنسبة للخط الرسالي، فإن الوسائل لابد أن تكون من جنس الأهداف ومسانخة له كسنخية العلة بمعلولها، ولذلك لابد أن تكون الوسائل بدورها شمولية، بمعنى أنها ينبغي أن تحرك ضمن سلة متنوعة من الأهداف وسلة متنوعة من الوسائل، بعيدا عن كل تصور ميكانيكي جامد لنظرية التغيير والممارسة، وهو ما كان سماحته ينتقده دوما، حيث لا يمكن القول اننا مرحلة ثقافية ثم ننفتح لاحقا على المرحلة السياسية..بل ينبغي التحرك بطريقة الخيارات الشمولية المفتوحة، لأن العاملين في الساحة ليسوا وحدهم من يخطط ويفكر، وقد تفكر جهات مختلفة في قطع الطريق، وإجهاض المرحلة..
إذا كانت هذه أهم توجيهات الراحل قده للخط الرسالي، وبناء على كون الرساليين هم أنصار «خط البطل» لا «بطل الخط»، فإن فكر السيد وخطه سيظل حيا ولن يموت، مادام هناك رساليون على وجه الأرض يستلهمون فكره وخطه، ويفنون ذاتهم في ذات الرسالة، انتصارا لقيم السماء على وجه الأرض.
*نشرت بجريدة ( الدار) الكويتية أياما بعد وفاة السيد فضل الله رض في يوليوز 2010 .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق