الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


المنهج الوسطي الإمامي : عبد الله بن أبي يعفور رض نموذجا





تاريخ النشر: 2013-11-01 18:03:00

عدد القراءات: 1640

























المنهج الوسطي الإمامي :
عبد الله بن أبي يعفور رض نموذجا
عصام احميدان الحسني


عبد الله بن أبي يعفور هو أبو محمد ، عبد الله بن أبي يعفور العبدي ، قارئ كوفي ،محديث وفقيه، من أعلام القرن الثاني الهجري ، توفي سنة 131 هجرية الموافق 748م ، وهي ما عرف ب "سنة الطاعون" وقد ترحم عليه الإمام الصادق عليه السلام ونسب له أنه قال "إنه كان يصدق علينا " ، صحب الإمامين محمد بن علي الباقر وابنه جعفر بن محمد عليهم السلام ، قيل في حقه من قبل الإمام جعفر بن محمد الصادق والإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهم السلام :
1- قال الإمام الصادق(عليه السلام): «ما وجدت أحداً أخذ بقولي، وأطاع أمري، وحذا حذو أصحاب آبائي غير رجلينِ رحمهما الله: عبد الله بن أبي يعفور، وحمران بن أعين، أمّا أنّهما مؤمنانِ خالصانِ من شيعتنا، أسماؤهم عندنا في كتاب أصحاب اليمين الذي أعطى الله محمّداً»(رجال الكشّي 2/418 ح313).
2- قال الإمام الصادق(عليه السلام): «ما وجدت أحداً يقبل وصيّتي ويطيع أمري، إلّا عبد الله بن أبي يعفور»(المصدر السابق 2/514 ح453) .
3- قال ابن أبي يعفور(رضي الله عنه): «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): والله لو فلقت رمانة بنصفين، فقلت هذا حرام وهذا حلال، لشهدت أنّ الذي قلت حلال حلال، وإنّ الذي قلت حرام حرام، فقال(عليه السلام): رحمك الله رحمك الله» (المصدر السابق 2/518 ح462) .
4- قال الإمام الصادق(عليه السلام): «ما أحد أدّى إلينا ما افترض الله عليه فينا إلّا عبد الله بن أبي يعفور»(المصدر السابق 2/519 ح463).
5- عن أبي أُسامة، قال: «دخلت على أبي عبد الله(عليه السلام) لأودّعه، فقال لي: يا زيد ما لكم وللناس قد حملتم الناس على أبي؟ والله ما وجدت أحداً يطيعني ويأخذ بقولي إلّا رجلاً واحداً، رحمه الله عبد الله بن أبي يعفور، فإنّي أمرته وأوصيته بوصيّته فاتبع أمري وأخذ بقولي»(المصدر السابق 2/519 ح464).
6- قال الإمام الكاظم(عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين حواري محمّد بن عبد الله رسول الله(صلى الله عليه وآله)، الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر(...)ثمّ ينادي المنادي: أين حواري محمّد بن علي وحواري جعفر بن محمّد؟ فيقوم... وعبد الله بن أبي يعفور... فهؤلاء المتحوّرة أوّل السابقين، وأوّل المقرّبين، وأوّل المتحوّرين من التابعين»(المصدر السابق 1/43 ح20).
وقال في حقه كبار علماء الإمامية ما يفيد المدح والثناء وعظيم المنزلة لدى الأئمة عليهم السلام ، ومن ذلك :
1- قال الشيخ النجاشي(قدس سره): «ثقة ثقة، جليل في أصحابنا، كريم على أبي عبد الله(عليه السلام)»( رجال النجاشي: 213 رقم556).
2- قال السيّد علي البروجردي(قدس سره): «وفيه روايات كثيرة في مدحه، بل بعضها يدلّ على عظم منزلته عند الصادق(عليه السلام)»( طرائف المقال 2/29 رقم6791).
3- قال الشيخ النوري الطبرسي(قدس سره): «من الفقهاء المعروفين الذين هم عيون هذه الطائفة، يُعدّ مع زرارة وأمثاله»(خاتمة مستدرك الوسائل 4/412).
إن الغرض من هذا المقالة ليس تقديم ترجمة رجالية لأحد كبار أصحاب الأئمة عليهم السلام ، بل النفاذ إلى شخصيته ومواقفه ، ومواقف محيطه منه ، للوقوف على ملامح عصر أعتبره عصر ميلاد الكلام الإمامي .
جاء في الحديث المروي من طرق الإمامية : " محمد بن الحسن وعثمان معا عن محمد بن زياد ( وفي نسخة محمد بن يزداد ) عن محمد بن الحسين عن الحجال عن أبي مالك الحضرمي عن أبي العباس البقباق قال : تذاكر ابن أبي يعفور ومعلى بن خنيس فقال ابن أبي يعفور : الاوصيآء علماء أبرار أتقيآء ، وقال ابن خنيس : الأوصياء أنبيآء قال : فدخلا على أبي عبد الله عليه السلام قال : فلما استقر ( وفي نسخة : لما استقرا ) مجلسهما قال : فبدأهما أبوعبد الله عليه السلام فقال : يا عبد الله أبرأ مما قال( في نسخة: من قال): أنا أنبياء" ( المجلسي ، بحار الأنوار ، الجزء 25 ، ص 291 ) .
للوقوف على سند الرواية وصحتها فقد " روى الرواية الكشّي في رجاله عن محمّد بن الحسن البراثي، مجهول ، وعثمان - وهو ابن حامد الوحشي - من أهل كش، وثّقه الشيخ الطوسي ، ومحمّد بن يزداد الرازي قال فيه العياشي : لا بأس به ، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب وثّقه النجاشي والطوسي ، والحجّال، عبداللّه بن محمّد الأسدي وثّقه النجاشي والطوسي ، وأبي مالك الحضرمي وثّقه النجاشي ، وأبي العباس البقباق وثّقه النجاشي والبرقي والمفيد ، إذا رواة الرواية كلّهم ثقات ، فالرواية صحيحة " ( المعلى بن خنيس ، حسين ساعدي ، دار الحديث ، قم ، الطبعة الأولى ، ص 80-81 ) .
وفي التعليق على مضمون هذه الرواية ، قال السيّد الخوئي قده : ( هذه الرواية صحيحة،إلاّ أنّها لاتدلّ إلاّ على خطأ المعلّى بن خنيس باعتقاده أولاً، ولابد وأنّه رجع عن قوله ببراءة أبي عبداللّه عليه السلام ممّن قال أنّهم أنبياء ) ( المعلى بن خنيس ، مصدر سابق ، ص 82 )
يتبين لنا من خلال التأمل في الحديث السالف الذكر أن النقاش بين أصحاب الأئمة عليهم السلام دار حول مفهوم " الوصي" و "الأوصياء " أو بعبارة أخرى دار حول مفهوم " الإمامة" ، كما يظهر جليا مدى الاختلاف الكبير بين أصحاب نفس الإمام أي الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تحديد ماهية " الوصي" ، فعبد الله بن أبي يعفور عرف الأوصياء بأنهم ( علماء أبرار أتقياء ) بينما المعلى بن خنيس تجاوز كثيرا فرفع الأئمة ع إلى درجة النبوة قائلا ( الأوصياء أنبياء ) ، ولما تم الاحتكام إلى الإمام الصادق عليه السلام تبرأ ممن يرفعون مقام الأوصياء عليهم السلام إلى مقام الأنبياء عليهم السلام ، بما يعني رفض الإمام الصادق ع لما توهمه أحد كبار أصحابه أيضا وهو المعلى بن خنيس ، بغض النظر عن مواقف العلماء المختلفة في وثاقة وتضعيف المعلى بن خنيس ، حيث جرحه النجاشي وابن الغضائري وقال الشيخ الماحوزي ( ابن خنيس مختلف فيه، والقاعدة تقتضي جرحه، والأخبار متظافرة في مدحه، والاعتماد عليها أظهر ) ( المعلى بن خنيس ، مصدر سابق ، ص 95 ) .
لابد أن نشير إلى أن الفترة التي عاش فيها عبد الله بن أبي يعفور رضي الله عنه كانت فترة دقيقة على المستوى العقائدي ، فقد عاصر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وهي نفس الفترة التي برزت فيها فرق من الغلاة داخل الجسم الشيعي ، ابتداء مع بيان بن سمعان النهدي الذي ادعى ألوهية علي بن أبي طالب عليه السلام مرورا بأبي الخطاب زعيم فرقة الخطابية الغالية وأبرز رجالها يونس بن ظبيان ..وقد تبرأ الأئمة عليهم السلام من كل هؤلاء كما انبرى اتجاه من أصحابهم الأتقياء والمخلصين لمواجهتهم وكشف زيف معتقداتهم ، ما جعلهم في موقع التسقيط والتشنيع على يد خصومهم الغلاة .
لاشك أن الغلو في أئمة أهل البيت عليهم السلام قد انطلق مبكرا منذ الإمام علي عليه السلام وهو القائل ( هلك في اثنان : محب غال ومبغض قال ) ، وقد استمر الاتجاه المغالي في الوجود ، غير أن ما استجد على الساحة العقائدية هو ميلاد تيار جديد داخل الجسم الشيعي عرف ب " المفوضة" واقترن ظهوره بعصر الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، فوجد الغلاة ف نظرية (التفويض) سندا كلاميا للغلو العقائدي في الأئمة .

بالرجوع إلى بعض الأحاديث المروية عن الإمام الصادق عليه السلام ، نقف حقيقة على درجة التوتر والاختلاف بين أصحاب الإمام ، حتى أن عبد الله بن أبي يعفور لم يسلم من التسقيط من داخل الجسم الشيعي رغم كثرة المدح والإشادة به من قبل الإمام الصادق عليه السلام ، ومن ذلك :
محمد بن مسعود، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن شيخ من أصحابنا لم يسمه، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فذكر عبد الله بن أبي يعفور رجل من أصحابنا، فقال: (فنال) منه (مه)، قال: فتركه وأقبل علينا، فقال: هذا الذي يزعم أن له ورعا وهو يذكر أخاه بما يذكره، قال: ثم تناول بيده اليسرى عارضه فنتف من لحيته حتى رأينا الشعر في يده، فقال: إنها لشيبة سوء إن كنت إنما أتولى بقولكم وأبرأ منهم بقولكم "( معجم رجال الحديث - السيد الخوئي - ج ١١ - الصفحة ١٠٦) .
إن سيرة عبد الله بن أبي يعفور رضي الله عنه وقول الإمام الصادق عليه السلام : " ما وجدت أحداً يقبل وصيّتي ويطيع أمري، إلّا عبد الله بن أبي يعفور " أو " ما أحد أدّى إلينا ما افترض الله عليه فينا إلّا عبد الله بن أبي يعفور " وما إلى ذلك من العبارات تفيد بشكل واضح أن المستأمنين من قبل الأئمة عليهم السلام على التراث الشيعي نقلا وعملا به كانوا قلة قليلة ، وأن جل من كان يروي عنهم لم يكن في مستوى حمل الأمانة والتمثيل الحقيقي للخط الرسالي ..بل إن كثيرا من هؤلاء المدعين كذبا وزورا الانتساب إلى خط أهل البيت عليهم السلام قد مارسوا الدعاية والتشنيع بالمخلصين لخط الأئمة عليهم السلام واتهموهم بالتقصير وما شابه ، ولم تثنهم عن حملتهم الدعائية تلك أقوال وشهادات الأئمة عليهم في أولئك الصحب المخلصين الأتقياء .
إن الحملة الدعائية على عبد الله بن أبي يعفور رضي الله عنه انطلقت من داخل البيت الشيعي في حياته ، ولم تتوقف بعد مماته ، وما الحديث السالف الذكر إلا شاهد على ما نقول ، بل إن جل شهادات الإمام الصادق ع في هذا العلم الجليل كانت بعد وفاته من باب الانتصار له ومواجهة المشككين والمنتقصين من قدره الجليل ..فقد كانوا يتوقعون بوفاة عبد الله بن أبي يعفور رض نهاية الخط الرسالي الموسوم بالوسطية والاعتدال والأصالة ، لكن هالهم الزخم الشعبي الذي ناله هذا الصحابي الجليل إذ امتلأت جنازته بجموع المشيعين من الشيعة وغيرهم .
وقد نقل الشيخ أبي الحسن الأشعري الذي يرجع إليه الأشاعرة في كتابه " مقالات الإسلاميين" حاكيا عن فريق من الشيعة حمل اسم ( اليعفورية) قالوا بعدم كفر من أنكر الإمامة لكن دون أن يكونوا مؤمنين أيضا ، كما قالوا بعدم استحلال الخصومة في الدين : حيث جاء في الفصل الخامس عشر من كتابه ( والفرقة الثالثة منهم: وهم "اليعفورية" يزعمون أنه قد يسع جهل الأئمة وهم بذلك لا مؤمنون ولا كافرون ) وأيضا ( .. لا يستحلون الخصومة في الدين و"اليعفورية" أيضًا لا تستحلها ) ، غير أننا لا نوافق على كون عبد الله بن أبي يعفور رض كان صاحب اتجاه أو فرقة من داخل التشيع ، بل إن لعبة اصطناع الاتجاهات والفرق كان مصدرها السلطة السياسية العباسية في زمن الخليفة الذي لقب نفسه ب ( المهدي) ، وذلك كي يبرر عملية قمعهم بدعوى أنها طوائف ، ويؤكد ذلك ما روي من مصادر الإمامية ، حيث يمكن الوقوف على تسمية فرقة "اليعفورية" ضمن المخطط السلطوي ، فقد قال الكشي: حدثني محمد بن مسعود العياشي قال: حدثنا جبرئيل بن احمد الفاريابي قال: حدثني محمد بن عيسي العبيدي عن يونس قال: قلت لهشام إنهم يزعمون أن أبا الحسن عليه السلام بعث إليك عبد الرحمن بن الحجاج يأمرك أن تسكت و لا تتكلم، فأبيت أن تقبل رسالته فأخبرني كيف كان سبب هذا و هل أرسل إليك ينهاك عن الكلام أو لا و هل تكلمت بعد نهيه إياك؟ فقال هشام: انه لما كان أيام المهدي شدد علي أصحاب الأهواء و كتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفا صنفا، ثم قرأ الكتاب علي الناس فقال يونس: قد سمعت الكتاب يقرأ علي الناس علي باب الذهب بالمدينة و مرة أخري بمدينة الوضاح.
فقال: إن ابن المفضل صنف لهم صنوف الفرق فرقة فرقة حتى قال في كتابه: و فرقة يقال لهم الزرارية ، و فرقة يقال لهم العمارية أصحاب عمار الساباطي، و فرقة يقال لهم "اليعفورية"، و منهم فرقة أصحاب سليمان الأقطع، و فرقة يقال لهم الجواليقية.
قال يونس: و لم يذكر يومئذ هشام بن الحكم و لا أصحابه فزعم هشام ليونس إن أبا الحسن عليه السلام بعث إليه فقال له: كف هذه الأيام عن الكلام فان الأمر شديد، قال هشام: فكففت عن الكلام حتى مات المهدي و سكن الأمر ، فهذا الأمر الذي كان من أمره و انتهائي إلي قوله " ( رجال الكشي : 227 ) .
فالسلطة السياسية العباسية حاولت إيهام الجماهير بأنها تواجه الطوائف الكثيرة وتستهدف الحفاظ على وحدة الدين والمذهب ، فراحت تضخم من بعض الشخصيات والوقائع وجعلت لكل صاحب من أصحاب إمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام مذهبا أو طائفة ..فتقسيم الشيعة إلى طوائف وفرق هي عادة خبيثة وسنة دنيئة سنها بنو العباس للقضاء على العلويين وأنصارهم ..وأخيرا ، إنه لا يمكن الاعتراف بكل تلك التسميات والطوائف والفرق ، ولم يكن عبد الله بن أبي يعفور رض وزراة بن أعين وعمار الساباطي إلا رجالا حول الأئمة عليهم السلام ، رضي الله عن أصحابهم المنتجبين وجعلنا من السائرين في طريق الحق لا نبغى عنه بدلا.

















إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق