الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


ماذا يعني أن تكون رساليا ؟





تاريخ النشر: 0000-00-00 00:00:00

عدد القراءات: 4116


مفاهيم رسالية (1)
ماذا يعني أن تكون "رساليا" ؟
يحدثنا الله عز وجل عن الرساليين فيقول عنهم أنهم "الذين يبغلون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله . وكفى بالله حسيبا " ، فالله تعالى لا يحدثنا هنا عن صفات حملة مشعل الرسالة الإسلامية فقط ، بل يحدثنا عن صفات كل أنبياء الله الذين بلغوا ما سلف من رسالاته لخلقه ، بدلالة قوله تعالى " رسالات الله " بالجمع بدلا من المفرد "رسالة الله" ، مما يعني أننا أمام صفات عامة لكل أنبياء الله والمرسلين والسائرين في خطهم ، أو لنقل أنها صفة لكل رسالي ينتمي عقائديا للخط الرسالي .
وإن الله تعالى لما وصف الرساليين بأنهم من يبلغون رسالة ربهم ، عطف على ذلك أنهم "يخشونه" أي يخشون الله ، ثم عطف على خشيتهم الله مسألة أخرى وهي أنهم "لا يخشون أحدا إلا الله " ، فجعل "خشية الله" واسطة بين التبليغ وعدم خشيتهم أحدا إلا الله ، لأن الأصل هو خشية الله وهي أساس قيامهم بتبليغهم رسالة الله ، ولولا خشية الله لما بلغوا أمر ربهم ، كما أنه بدون خشية الله ، سيخشى المرء غير الله .. فأن تكون رساليا يستلزم أولا وقبل كل شيء أن تخشى الله ، فإن خشيت الله بلغت رسالة الله ، ولن تخشى في ذلك أحدا إلا الله ، فمن لم يخشى الله خشي الناس ، ومن خشي الله لم يخشى الناس .
إن عدم خشية الله وخشية الناس وتعطيل قول الحق و عدم تبليغ رسالة الله والانتظارية السلبية والتواكل على الآخرين وعدم التوكل على الله ، من أكبر التحديات التي تواجه واقعنا الإسلامي المعاصر ، ولن يتم تجاوز هذه المعضلة إلا من خلال إحياء القيم الرسالية في نفوس المؤمنين ، فلا تنتظر أيها الفرد الرسالي أن تلتحق بك الجماهير ، وكن الفرد الأمة ، فقد يتأخر وعي الأمة برسالتها ، وقد تكون أنت الثمن الوحيد لوعيها المتأخر ، فبلغ رسالة ربك ولا تخشى أحدا إلا الله .
إن الآية الكريمة السالفة بينت العلاقة القائمة بين "التبليغ" و "الخشية" ، ومما يؤكد هذه العلاقة قوله تعالى " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " "سورة المائدة ، آية " فالخطاب الإلهي لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله جاء بوصفه "الرسول" ولم يكن بصيغة "يا أيها النبي" ، لأن الموضوع يتعلق بتبليغ رسالة الله ، فالله هنا مرسل والنبي رسول الله ..وما لم يبلغ أمرا جزئيا من رسالة الله فهو عند الله تعالى عدم تبليغ كلي لرسالته ، لأن الرسالة الإسلامية شمولية لا تقبل التجزئة والتفكيك ، كما أن الرسالي الحقيقي هو من يبلغ رسالة الله في كل عناصرها ومحتوياتها ، فلا يمكن أن تكون رساليا في قضية من القضايا وألا تكون رساليا في قضية أخرى ، لأن "الرسالية" أمر غير قابل للتجزئة ، فإما أن تكون رساليا أو لا تكون .
والله تعالى في هذه الآية الكريمة يخاطب نبيه "الرسول" آمرا إياه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه ، لأن خشية الناس قد تمنع من تبليغ أمر الله ، فلذلك خاطبه الله تعالى بخطاب مثل الدعامة الروحية لتثبيت فؤاد نبيه ورسوله حيث قال " والله يعصمك من الناس" ، فالله هو العاصم من الناس فلا تخشى أيها الرسالي الناس ، ولتكن خشيتك من رب الناس ، الذي سيعصمك من كيد الناس " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " "آل عمران " .
وغير بعيد عن هذا المعنى يحدثنا الله عن العلاقة بين خشية الله وخشية الناس فيقول تعالى في سورة النساء : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) 77 .
إن مدى خشيتك من الناس هي مؤشر يعكس مدى خشيتك من الله ، فكلما خشيت الناس كلما قلت خشيتك من الله ، والعكس أيضا صحيح ، حيث أنه كلما تزايدت نسبة خشيتك من الله كلما نقصت نسبة خشيتك من الناس ، فالرسالي الحقيقي هو من لا يخشى الناس ولا يخشى إلا رب الناس ، ولا يؤثر فيه قول الناس أو فعلهم ضده ، لأن الأساس عنده هو رضوان الله ولو غضب منه كل الناس .
إن كانت رسالة الإسلام قد بلغها رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وآله ، غير أن استمرارية الخط الرسالي تبقى مسؤولية كل الرساليين السائرين في خط الرسالة والرسول ، بغض النظر عن مواقعهم الثقافية والاجتماعية من أئمة و علماء و مثقفين و عموم المؤمنين ..أن تكون رساليا معناها أن تفنى ذاتك في ذات الرسالة ، فلا كينونة مستقلة للرساليين خارج فضاء الرسالة ، فحيث كانت الرسالة كانوا ، وحيث حلت وارتحلت حلوا وارتحلوا ، ولا قيمة لحياتهم ، لأن غايتهم العليا هي حياة الرسالة ، فالموت من أجل الرسالة حياة ، والحياة بلا رسالة ممات .
الخط الرسالي







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق