الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


دفاعا عن حرية المعتقد





تاريخ النشر: 2013-04-17 23:40:00

عدد القراءات: 1472









دفاعا عن حرية المعتقد
عصام احميدان الحسني


أثارت فتوى جديدة صدرت عن المجلس العلمي الأعلى جدلا واسعا بين تيارات دينية محافظة وأخرى حقوقية ، حول موضوع "شرعية قتل المرتد عن الإسلام"، ويحاول من يؤيد هذه الفتوى الإصرار على ألا تناقض بين شرعية قتل المرتد وبين مبدأ "لا إكراه في الدين" ، بطريقة غريبة منها القول أن المرتد هو خائن للنظام السياسي الإسلامي ، متناسين أن مساحة التشريع الإسلامي في الحياة العامة لا تغطي إلا نسبة ضئيلة جدا ، ومختزلين الشريعة الإسلامية في "الحدود" بطريقة حرفية .
إنه لا يمكن تصور الجمع بين حرية العقيدة ومنع حرية الردة إلا على نحو واحد وهو أنه يجوز للإنسان أن يكون كافرا ابتداء لكنه لا يجوز له تغيير معتقده الإسلامي ، وكأننا أمام باب مكتوب في واجهتها الخارجية : "لا إكراه في الدين ، تفضل بالدخول" ، ومكتوب عليها من الداخل " لا يجوز الخروج وإلا سيكون مصيرك القتل ".
وتم بناء ذلك كله على حجة واحدة في منع الردة وهي كون المرتد خائن للوطن والأمة ، وحيث أن الخيانة العظمى يعاقب عليها مرتكبها بالقتل ، فإن المرتد يقتل تبعا لذلك ، وذلك تأكيدا على حديث: " من بدل دينه فاقتلوه " وهو الحديث المروي في صحيح البخاري من طريق عبد الله بن عباس فيما رواه عنه عكرمة ، الذي جاء فيه من كتاب "التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح لكاتبه سليمان بن خلف بن سعد أبي الوليد الباجي في الجزء الثالث ، الصفحة 1150 : " قال أبو بكر سمعت يحيى بن معين يقول إنما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة لان عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية قال أبو بكر سمعت مصعب بن عبد الله يقول كان عكرمة يرى رأي الخوارج وادعى على بن عباس أنه كان يراه قال أبو بكر حدثنا هارون بن معروف حدثنا ضمرة عن أيوب عن بن سيرين قال بن عمر لنافع لا تكذب علي كما كذب عكرمة على بن عباس قال أبو بكر حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو هلال الراسبي حدثنا الحكم بن أبي إسحاق كتبت عند سعيد بن المسيب وثم مولى له فقال له انظر لا تكذب علي كما كذب عكرمة على بن عباس قال أبو بكر حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن إبراهيم بن ميسرة قال قال لي طاوس لو أن مولى بن عباس هذا يعني عكرمة اتقى الله وكف من حديثه لشدت إليه المطايا" ..بمعنى أن عكرمة الذي روى عن ابن عباس لم يكن موثقا لدى الجميع وتم تجريحه من قبل كثير من الصحابة كعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر والتابعين وتابعي التابعين ومنهم الإمام مالك بن أنس .
عموما ، وحتى مع فرض صحة الحديث ، فالحديث الصحيح لا يفيد إلا الظن ، والحدود لا تقام بناء على الظنون ، لما فيها من إراقة دماء وإزهاق أرواح ، كما أن الحديث لا يمكن أن يكون معارضا للقرآن ، بل مفسرا ومكملا له .
وفي تتبعنا لمنطق القرآن ، نجده أكد على أصالة مبدأ "لا إكراه في الدين" وهو مبدأ لا يقبل التقييد، كما نجد القرآن صريحا في أن عقوبة المرتد عن الإسلام أخروية لا دنيوية ، ومن هذه الآيات الكريمات : ﴿إِلاّ مَن تَوَلّىَ وَكَفَرَ. فَيْعَذّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ. إِنّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ. ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية 21: 26) ، وقوله تعالى : ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام 106: 107) وقوله أيضا : ﴿قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لّهُ دِينِي. فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ﴾ (الزمر 14: 15) وقوله أيضا : ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوَاْ﴾ (الإسراء 107) ، وقوله تعالى أيضا : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وقوله تعالى أيضا : ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لاَمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس 99) إضافة إلى العشرات من الآيات ، بل إنها تصل إلى حدود مائتي آية قرآنية تؤكد على حرية المعتقد بينما لا نجد آية واحدة تنص على عقوبة المرتد في الدنيا، غاية ما تحدث عنه القرآن هو العقوبة في الآخرة .
إن البعض يتحدث عن سماحة الإسلام واعتداله ومرونته قبل الدخول فيه ، والتشدد في السماح بتركه ، بعبارة أخرى حرية المعتقد كما يتم تقديمها هي حرية للوافد على الدين وليست حرية لمن يريد مغادرة الدين.
وإنني إذ أتناول هذا الموضوع الشائك "الردة" لابد أن أشير أن الفقه الإسلامي في كل مستوياته المذهبية بحاجة إلى ثورة تنويرية حقيقية ، تعيد مقاربة هذا الموضوع ومواضيع أخرى بطريقة مغايرة لطريقة القدامى ، وبشكل أكثر انسجاما مع المنطق القرآني .
إن الحديث عن الردة بوصفها خيانة للدين والوطن لا أجد له معنى ، لأن الخائن لدينه هو من يظل متمسكا بدينه بينما يستعمله لأغراض غير دينية ، أما المرتد فلا يقال عنه أن خائن لدينه لأنه ترك ذلك الدين أصلا ولم يعد يشكل بالنسبة له مرجعية دينية .
والقول أن المرتد هو خائن لوطنه على اعتبار أن الدين هو هوية المجتمع والدولة في الإسلام، بدوره حديث لا ينسجم مع الكثير من الوقائع التاريخية ، فإن الدولة النبوية لم تكن تضم فقط المسلمين بل ضمت أيضا اليهود في المدينة ومشركين ، ووصفت صحيفة المدينة التي وضعها رسول الإسلام كل أولئك بأنهم أمة واحدة ذات حقوق وواجبات ، وأنه يجب عليهم التضامن الداخلي والخارجي في مواجهة الأخطار الخارجية ..وقد اعتبرت صحيفة المدينة أول إطار دستوري قام على أساس المواطنة وليس الدين ، وإلا فإن اليهود في تلك الفترة كانوا جزءا من الوطن الذي أقامه رسول الله .
إن اختلاف تقدير عقوبة المرتد بين الخلفاء بعد وفاة النبي بين قائل بالحرق وقائل بالقتل بالسيف وقائل بالوطئ بالأقدام حتى الموت ، وقائل بالرجم قياسا مع الزنا ..وقائل باستثناء المرأة والطفل من عقوبة الردة ..يؤكد أن المسألة كانت تدور في دائرة الأحكام الولائية ولم تكن من الأحكام الشرعية ، بمعنى أن كل خليفة كان يضع عقوبة مغايرة في إطار نظام حكمه ..وحيث أن الاجتهاد لا يكون إلا في غياب النص ، فنكون بذلك قد توصلنا إلى نتيجة واحدة وهي : لا نص على عقوبة المرتد عقديا .
وبالرجوع إلى القرآن ، نجده يؤكد دوما على أن الله وحده المسؤول عن الحساب والعقاب لكل من ارتد عن دينه وتولى وكفر : " ﴿إِلاّ مَن تَوَلّىَ وَكَفَرَ. فَيْعَذّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ. إِنّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ. ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية 21: 26) " ..وما كان لمسألة بالغة الأهمية وتشمل الدماء ألا يتم التعرض لها قرآنيا ، خاصة وأن جوهر البحث القرآني انصب على معالجة مسألة الاختلاف العقدي.
وأخيرا ، ينبغي التأكيد على أن مسألة بالغة الخطورة كقتل المرتد ينبغي أن يعاد البحث فيها فقهيا وتقييد الاجتهاد الفقهي بالقرآن الكريم ، الذي لا يمكن الهيمنة عليه من خلال حديث هنا أو حديث هناك قابل للنقاش سندا ومتنا ، كما أن الدعوة إلى الاجتهاد والتحديث الفقهي ليست دعوة خاصة بمذهب دون آخر ، بل يجب أن تشمل عموم التراث الفقهي للمسلمين ، وخطوة ضرورية لإعادة الارتباط بالمعارف القرآنية وعقلنة الوعي الديني وترشيده .
إنني أعتقد أن هياكل الحقل الديني بالمغرب باتت مخترقة من تيارات دينية متشددة وطائفية ، وإنه لابد من ضمان حيادية المجالس العلمية عن كل التيارات الحزبية والسياسية و تحديث السياسة الدينية ببلادنا وتكييفها مع منطق القرآن وروح العصر ومقتضيات الدستور ، وإلا فسنكون أمام تصادم بين المرجعية الدينية والمدنية ، بينما الأصل أن الدين والمدنية وجهان لعملة واحدة إن عرفنا كيف نحرر الدين من هيمنة أفهام المتدينين المتخلفين وأعدناه لأصالة الدين .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق