الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


أدلة نفاة التعصيب





تاريخ النشر: 2013-03-12 14:45:00

عدد القراءات: 2358















دراسة أدلّة نفاة التعصيب
الفقيه الشيخ جعفر السبحاني
بعد أن قمنا بنشر بحث " الخلاف في التعصيب" للدكتور هشام بدر والذي تحفظ على بعض تطبيقات التعصيب التي تهضم حقوق المرأة معتبرا إياها من التراث الجاهلي ولا تمت للدين الإسلامي الحق بصلة ..الآن "الخط الرسالي" ينشر وجهة نظر المسلمين الشيعة الإمامية في موضوع "التعصيب" ورفضهم له من خلال دراسة للفقيه المحقق الشيخ جعفر السبحاني تحت عنوان " الميراث بالقرابة أو بالتعصيب" ، اخترنا نشر المقطع المتعلق بأدلة نفاة التعصيب وجاء فيه :
احتجّت الإمامية على نفي التعصيب ـ وانّه لا دور له في الميراث وانّه مع وجود الأقرب وإن كان ذا فرض لا يرد إلى البعيد وإن كان ذكراً ـ بالكتاب والسنّة، وإليك دراسة ما يدلّ على نفيه من الكتاب:
الآية الأُولى
مشاركة النساء للرجال في الميراث
قال سبحانه: (لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدان وَالأَقرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقربُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصيباً مَّفْرُوضاً).(1)
1- النساء:7.
وجه الاستدلال: انّ ظاهر الآية انّ النساء في درجة الرجال من حيث الاستحقاق وانّ كلّ مورد يرث فيه الرجل، ترث فيه المرأة إلاّ ما خرج بالدليل كالقاتل والمرتد.
وبعبارة أُخرى: انّه أوجب توريث جميع النساء والأقربين، ودلّت على المساواة بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث ـ لا في مقداره ـ ، لأنّها حكمت بأنّ للنساء نصيباً كما حكمت بأنّ للرجال نصيباً، مع أنّ القائل بالتعصيب يُورّث الرجال دون النساء مع كونهما في رتبة واحدة، وذلك في الصور التالية:
1. لو مات وترك بنتاً، وأخاً وأُختاً، فالفاضل عن فريضة البنت يرد إلى الأخ، ويحكم على الأُخت بالحرمان.
2. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وابن أُخت، فالقائل بالتعصيب يعطي النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا شيء لابن أُخته مع أنّهما في درجة واحدة.
3. لو مات وترك أُختاً، وعمّـاً، وعمّة، فالفاضل عن فريضة الأُخت يرد إلى العم، لا العمّة.
4. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وبنت أخ، فإنّهم يعطون النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا يعطون شيئاً لبنت الأخ مع كونهما في درجة واحدة.
فالآية تحكم بوراثة الرجال والنساء معاً وبوراثة الجميع، والقائل بالتعصيب يورّث الرجال دون النساء والحكم به أشبه بحكم الجاهلية المبني على هضم حقوق النساء كما سيوافيك بيانه.
وحمل ظهور الآية في مشاركة الرجال والنساء، على خصوص الميراث المفروض، لاالميراث لأجل التعصيب كما ترى، لأنّه حمل بلا قرينة في الآية ، وعلى خلاف إطلاقها.
والحاصل: أنّ نتيجة القول بالتعصيب هو توريث الرجال وإهمال النساء على ما كانت الجاهلية عليه.
قال العلاّمة الصافي في تفسير قوله سبحانه: (للرِّجالِ نصيبٌ مِمّا تَركَ الوالِدانِ والأقربونَ...)قد أبطل اللّه بهذه الآية النظام الجاهلي المبنيّ على توريث الرجال دون النساء، مثل توريث الابن دون البنت، وتوريث الأخ دون الأُخت، وتوريث العم دون العمّة، وابن العم دون بنته، فقرّر بها مشاركة النساء مع الرجال في الإرث، إذا كنّ معهم في القرابة في مرتبة واحدة، كالابن والبنت، والأخ والأُخت، وابن الابن وبنته، والعم والعمّة وغيرهم، فلا يوجد في الشرع مورد تكون المرأة مع المرء في درجة واحدة إلاّ وهي ترث من الميت بحكم الآية ... فكما أنّ القول بحرمان الرجال الذين هم من طبقة واحدة نقض لهذه الضابطة المحكمة الشريفة، كذلك القول بحرمان النساء أيضاً ... ومثل هذا النظام ـ الذي تجلّى فيه اعتناء الإسلام بشأن المرأة ورفع مستواها في الحقوق المالية كسائر حقوقها ـ يقتضي أن يكون عامّاً لا يقبل التخصيص والاستثناء. (1)
قال السيد المرتضى: توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القرب والدرجة، من أحكام الجاهلية، وقد نسخ اللّه بشريعة نبيّنا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحكام الجاهلية، وذمّ من أقام عليها واستمرّ على العمل بها بقوله: (أَفَحُكْمَ الجاهليّةِ يَبْغُونَ )
1- مع الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر:15ـ16.
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً)(1) وليس لهم أن يقولوا إنّنانخصّص الآية التي ذكرتموها بالسنّة، وذلك أنّ السنّة التي لا تقتضي العلم القاطع لا يُخصَّص بهاالقرآن، كما لم يُنسخ بها، وإنّما يجوز بالسنّة أن يخصّص وينسخ إذا كانت تقتضي العلم واليقين، ولا خلاف في أنّ الأخبار المروية في توريث العصبة أخبارآحاد لا توجب علماً، وأكثر ما يقتضيه غلبة الظن، على أنّ أخبار التعصيب معارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة من طرق مختلفة في إبطال أن يكون الميراث بالعصبة، وأنّه بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الأخبار رجعنا إلى ظاهر الكتاب.(2)
1- المائدة:5.
2- الانتصار:278.
الآية الثانية

الضابطة في الميراث هي الأقربية
قال سبحانه: (وأولوا الأرحامِ بعضُهُمْ أولى بِبعض في كِتابِ اللّهِ إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شيء عليم).(1)
وقال في آية أُخرى: (النَّبِيُّ أَولى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمّهاتُهُمْ وَأُولوا الأرْحام بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّه مِنَ المُؤْمِنينَ وَالْمُهاجِرين إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوليائكُمْ مَعْروفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً).(2)
وجه الاستدلال: أنّ الآية ظاهرة في أنّ ذوي الأرحام والقرابة بعضهم أحقّ بميراث بعضهم من غيرهم، والمروي عن جماعة من المفسّرين انّ الآية ناسخة لما قبله من التوارث
1- الأنفال:75.
2- الأحزاب:6.
بالمعاقدة والهجرة وغير ذلك من الأسباب، فقد كانوا يتوارثون بالمؤاخاة، فانّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان قد آخى بين المهاجرين والأنصار.
ثمّ إنّ وجه الأولوية هو الأقربية، فكلّ من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث، سواء كان ذا سهم أو غير ذي سهم، وسواء كان عصبة أو غير ذي عصبة.(1)
قال العلاّمة الطباطبائي: جعل الولاية بين أُولي الأرحام والقرابات، وهي ولاية الإرث، فانّ سائر أقسام الولاية لا ينحصر فيما بينهم.
والآية تنسخ ولاية الإرث بالمؤاخاة التي أجراها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بين المسلمين في أوّل الهجرة، وتُثبت الإرث بالقرابة، سواء كان هناك ذو سهم أو لم يكن، و كان عصبة أو لم يكن، فالآية مطلقة كما هو ظاهر.(2)
وقد استدلّ بالآية بعض الفقهاء والمفسّرين في مورد الإرث وفسروه بالنحو التالي الموافق لما ذكرنا .
1- مجمع البيان:2/563.
2- الميزان:9/142.
قال السرخسي في مبسوطه: والميراث يبنى على الأقرب، قال اللّه تعالى: (ما ترك الوالدان والأقربون) وزيادة القرب تدلّ على قوة الاستحقاق.
وقال أيضاً: فإن كان بعضهم أقرب فهو بالميراث أحقّ.
وقال أيضاً: وميراث ذوي الأرحارم يبنى على القرب.(1)
و ممّا يدلّ على أنّ مفاد الآية هو منع القريب البعيد هو انّ بعض فقهاء السنة تمسك بالآية على أُولوية بعض العصبة على بعض، مثلاً: قدّموا الأخ على ابن الأخ، والعم على ابن العم، حتّى أنّهم يقدّمون الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب، كما أنّ العمّ لأبوين يقدّمونه على العمّ لأب، وابن العم لأبوين على ابن العم لأب، تمسكّاً بالآية.(2)
1- المبسوط: 29/139، 30/13و 20.
2- تفسير القرطبي:8/58و 59.
وبما انّ الآية وردت في سورتين مدنيتين، فهي تؤكد على نسخ ما كان شائعاً في الجاهلية من تقديم الأقوياء على الضعفاء، والرجال على النساء في الميراث، وتضع ملاكاً جديداً، هو الأقربية للميت، فالأقرب يرث ويمنع غيره من دون فرق بين الرجل والمرأة.
وعلى ضوء ذلك فكيف يرث الأخ أو العم مع وجود الأقرب ـ أعني: البنت أو الأُخت ـ وهما أقرب إلى الميّت من الأخ والعم،لأنّ البنت تتقرّب إلى الميّت بنفسها، والأخ يتقرّب إليه بالأب، والأُخت تتقرّب إلى الميّت بالأب، والعمّ يتقرّب إليه بواسطة الجد، والأُخت تتقرّب بواسطة، والعم يتقرّب بواسطتين، وأولاده بوسائط.
وممّا يدل على أنّ الآية في بيان تقديم الأقرب فالأقرب ـ مضافاً إلى ما مرّ من أنّها وردت ناسخة للتوارث بمعاقدة الإيمان والتوارث بالمهاجرة اللَّذين كانا ثابتين في صدر الإسلام ـ أنّ عليّاً كان لا يعطي الموالي شيئاً مع ذي رحم، سمّيت له فريضة أم لم تسم له فريضة وكان يقول:(وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ إنّ اللّهَ بكلِّ شيء عليم) قد علم مكانهم فلم يجعل لهم مع أُولي الأرحام». (1)
وروى زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في قول اللّه: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ) : إنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض، لأنّ أقربهم إليه رحماً أولى به، ثمّ قال أبو جعفر: أيّهم أولى بالميت وأقربهم إليه؟ أُمّه؟ أو أخوه؟ أليس الأُمّ أقرب إلى الميّت من إخوته وأخواته؟ (2)
وروي عن زيد بن ثابت أنّه قال : من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء. (3)
وربما يثار على الاستدلال بالآية استفساران:
1- الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.
2- الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.
3- الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.
الأوّل: تخصيص الآية بما دلّ على ميراث العصبة
إنّ قوله سبحانه: (وأُولوا الأَرحام بعضهم أَولى ببَعض) لا يعدو إمّا أن يكون مطلقاً أو عاماً، فالمطلق يُقيّد والعام يخصص بما ورد من توريث العصبة بعد استيفاء ذوي الفروض فروضهم وإن كانوا بُعَداء.
يلاحظ عليه: ـ بعد غضّ النظر عن الضعف الطارئ على أدلّة التعصيب سنداً ودلالة كما سيوافيك ـ انّ الآية المباركة تأبى على التخصيص والتقييد، لأنّها تحكي عن تشريع صدر استجابةً لميول ورغبات البشر، وهو انّ الإنسان أرأف وأميل بالوارث الأقرب من الأبعد، فتخصيص مثل ذلك التشريع يأباه الطبع السليم، مثل قوله سبحانه: (ما عَلى المُحْسِنينَ مِنْ سَبيل وَاللّه غَفُورٌ رَحيم)(1) ، أو قوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2) ، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجْر المُحْسِنين)(3) وأمثالها.
1- التوبة:91.
2- الحج:78.
3- التوبة:120.
والشاهد على إبائها التخصيص والتقييد انّه لو قيل (وأُولوا الأَرحام بعضهم أَولى بِبَعض) إلاّ في مورد كذا لما استحسنه الطبع ولاستهجنه، مثل ما إذا قيل (إِنّ اللّه لا يُضيعُ أَجْر المُحْسِنين) إلاّ في مورد كذا ..
الثاني: حرمان الرجال من الميراث في الفقه الإمامي
إذا دلّت الآية على المشاركة، فكما أنّ حرمان النساء مخالف لها، فكذلك حرمان الرجال مع أنّه ثابت في القول بعدم التعصيب، وذلك كما في المثال التالي:
إذا مات الرجل عن بنت وعم أو ابن عم، فإنّ التركة كلّها للبنت عندهم ولا حظّ لهما. وهو حرمان الرجال دون النساء عكس القول بالتعصيب، ويشتركان في الحرمان ومخالفة الذكر الحكيم.
يلاحظ عليه: أنّ الحرمان في المثال لأجل عدم الاستواء في القرابة. ألا ترى أنّ ولد الولد (ذكوراً كانوا أو إناثاً) لا يرثون مع الولد، لعدم التساوي في الدرجة والقرابة، وإن كانوا
يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء، وإذا كانت القرابة والدرجة مراعاة بين العم وابنه، فلا يساوي ـ العم ـ البنت في القربى والدرجة، وهو أبعد منها كثيراً.
وليس كذلك العمومة والعمّـات وبنات العم وبنو العم، لأنّ درجة هؤلاء واحدة وقرباهم متساوية والمخالف يورِّث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجّة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسألة التي وقعت الإشارة إليها، وهذا واضح فليتأمّل. (1)
1- الانتصار:283.
الآية الثالثة
توريث الأُخت مشروط بعدم وجود الولد
قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللّه يُفتِيكُمْ فِي الكَلالَة إِن امرؤا هلك لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد فَإِنْ كانَتا اثنَتين فَلَهما الثلثان مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَة رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن يُبَيِّن اللّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُوا وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم). (1)
إنّ ظاهر قوله سبحانه: (إِن امرؤا هَلكَ لَيْسَ لَهُ وَلد وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما ترك) هو انّ توريث الأُخت من الأخ مشروط بعدم وجود الولد له مع أنّه يلزم في بعض صور التعصيب توريث الأُخت مع وجود الولد (البنت) للميّت،
1- النساء:176.
(32)
وذلك فيما إذا كان التعصيب بالغير كأُخت أو أخوات لأبوين، أو أُخت وأخوات لأب، فإنّهنّ عصبة بالغير من جانب الأب فلو مات عن بنت وأُخت لأبوين أو لأب، فالنصف للبنت، والنصف الآخر للعصبة وهي الأُخت أو الأخوات مع أنّ وراثة الأُخت مشروطة بعدم الولد في صريح الآية. قال الخرقي: والأخوات مع البنات عصبة، لهنّ ما فضل، وليس لهنّ معهنّ فريضة مسمّـاة.
وقال ابن قدامة في شرحه: والمراد بالأخوات هاهنا، الأخوات من الأبوين، أو من الأب، وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلاّ ابن عباس ومن تابعه، فإنّه يروى عنه أنّه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة فقال في بنت وأُخت: للبنت النصف ولا شيء للأُخت. فقال ابن عباس: أنتم أعلم أم اللّه، يريد قول اللّه سبحانه: (إنِ امْرؤاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ ...) فإنّما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.
ثمّ إنّ ابن قدامة ردّ على الاستدلال بقوله: إنّ الآية تدل على أنّ الأُخت لايفرض لها النصف مع الولد، ونحن نقول به، فإنّ ما تأخذه مع البنت ليس بفرض، وإنّما هو بالتعصيب كميراث الأخ، وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الأخ مع الولد مع قول اللّه تعالى: (وهو يرثها إنْ لم يَكُنْ لَها ولَد) وعلى قياس قوله «ينبغي أن يسقط الأخ لاشتراطه في توريثه منها عدم ولدها». (1)
حاصل كلامه: أنّ الأُخت ترث من الأخ النصف في حالتي وجود الولد وعدمه، غاية الأمر عند عدم الولد ترث فرضاً، وعند وجوده ترثه عصبة.
يلاحظ عليه: أنّ المهم عند المخاطبين هو أصل الوراثة، لا التسمية تارة بالفرض و أُخرى بالتعصيب، فانّ الأسماء ليس بمطروحة لهم; فإذا كان الولد وعدمه غير مؤثّر فيها، كان التقييد لغواً، وما ذكره من أنّها ترث النصف عند الولد تعصيباً لا فرضاً أشبه بالتلاعب بالألفاظ، والمخاطب بالآية هو العرف العام، وهو لا يفهم من الآية سوى حرمان الأُخت عند الولد وتوريثها معه باسم آخر، يراه مناقضاً.
1- المغني:6/227.
وما نسبه إلى ابن عباس من أنّه كان يرى ميراث الأخ مع الولد، غير ثابت، وعلى فرض تسليمه فهـو ليس بحجة.
الاستدلال بالسنّة على نفي التعصيب
1. روى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: مرضت بمكّة مرضاً فأشفيت (1) منـه على المـوت فأتاني النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يعودني فقلت: يا رسول اللّه: إنّ لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ ابنتي أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشَّطرُ؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنّك إن تركت ولدك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يتكفّفون الناس.(1)
1- أي فأشرفت وقاربت.
وفي لفظ مسلم في باب الوصية بالثلث : «ولا يرثني إلاّ ابنة لي واحدة».(2) والرواية صريحة في أنّه كان يدور في خلد سعد، أنّها الوارثة المتفرّدة والنبيّ سمع كلامه وأقرّه عليه، ولم يرد عليه بأنّ لك وارثاً آخر وهم العصبة، بل قرره على ذلك فيكون المال للبنت فالنصف فرضاً والنصف الآخر بالردّ.
وقد كان السؤال والجواب بعد نزول آيات الفرائض.
2. روى البيهقي عن سويد بن غفلة في ابنة وامرأة ومولى قال: كان علي ـ عليه السَّلام ـ يعطي الابنة النصف والمرأة الثمن ويرد ما بقي على الابنة. (3)
ورواه الدارمي عن حيان بن سليمان قال: كنت عند سويد بن غفلة فجاءه فسأله عن فريضة رجل ترك ابنته وامرأته قال: أما أُنبئك قضاء عليّ؟ قال: حسبي قضاء عليّ. قال: قضى عليّ لامرأته الثُمن ولابنته النصف، ثمّ رد البقية على ابنته.(4)
1- صحيح البخاري: 8/150، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات.
2- صحيح مسلم، ج4، باب الوصية بالثلث، ص 71.
3- السنن الكبرى: 6/242، باب الميراث بالولاء.
4- سنن الدارمي، كتاب الفرائض، باب فيمن أعطى ذوي الأرحام دون الموالي، ص 288.
3. روي عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ َّ أنّه قال:: من ترك مالاً فلأهله. (1)
وليس الأخ، أو الأُخت من أهل الرجل وإنّما أهله أولاده وزوجته.
4. وربّما يستدل بما روي عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : والمرأة تحوز ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي تلاعن عليه. (2)
وجه الاستدلال ظاهر في الرواية انّ الأُمّ ترث ما يتركه ولدها كلّه، لأنّ الأب ممنوع من الإرث للملاعنة ونفي الولد عنه فيكون المال كله للأُمّ سدسه أو ثلثه بالفرض والباقي بالردّ، لأنّ سهم الأُم هو السدس أو الثلث، وقد حكم على
1- صحيح البخاري: 8/150 كتاب الفرائض باب قول النبي: من ترك مالاً فلأهله; كنز العمال: 11/7 الحديث 30388; جامع الأُصول: 9/631 قال: رواه الترمذي.
2- مسند أحمد: 3/490;سنن ابن ماجة: 2/916، باب ما تحوزه المرأة، ثلاث مواريث رقم 2742; وفي جامع الأُصول: 9/614، برقم 7401 ... ولدها الذي لاعنت عنه. أخرجه أبو داود والترمذي.
الفاضل عن التركة بالرد عليها دون العصبة. إلاّ أن يقال: إنّ عدم الرد لعدم وجود العصبة شرعاً (بحكم اللعان) فلا يصحّ الاستدلال به على ما إذا كانت هناك عصبة.
إلى هنا تمّ الاستدلال بما رواه أهل السنّة وليعلم إنّ القول بالتعصيب يقتضي كون توريث الوارث مشروطاً بوجود وارث آخر، وهو مخالف لما علم الاتّفاق عليه، لأنّه إمّا أن يتساوى مع الوارث الآخر فيرثان، وإلاّ فيمنع وذلك كما في المثال الآتي:
إذا خلّف الميّت بنتين، وابنة ابن، وعمّ. فبما أنّ العمّ من العصبة بالنفسوالابنة عصبة بالغير يرد الفاضل إلى العمّ. ولا شيء لبنت الابن. ولكنّه لو كان معها أخ أي ابن الابن، فهي تتعصّب به، وبما أنّه أولى ذَكَر بالميّت يكون مقدماً على العم ويكون الفاضل بينهما أثلاثاً، للإجماع على المشاركة، لقوله سبحانه: (يُوصيكُم اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حظِّ الأُنثيين) (1) ، وهذا هو ما قلناه من أنّه يلزم أن يكون توريث الابنة مشروطاً بالأخ وإلاّ فيرث العم.
1- النساء:11.
قال الخرقي في متن المغني: «فإن كنّ بنات، وبنات ابن، فللبنات الثلثان وليس لبنات الابن شيء إلاّ أن يكون معهنّ ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظّ الأُنثيين».
وقال ابن قدامة: «فإن كان مع بنات الابن، ابن في درجتهنّ كأخيهنّ أو ابن عمّهنّ، أو أنزل منهنّ كابن أخيهنّ أو ابن ابن عمّهنّ أو ابن ابن ابن عمّهن، عصبهنّ في الباقي فجعل بينهم للذكر مثل حظّ الأُنثيين» . (1)
الأحاديث المأثورة عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

لقد أُثر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أنّ الفاضل عن الفروض للأقرب، وفي ذلك روايات متضافرة لو لم نقل أنّها متواترة، ولعل الشهيد الثاني لم يتفحّص في أبواب الإرث فقال: ترجع الإمامية إلى خبر واحد(2) ، ويظـهر من الروايات أنّه كان مكتوباً في كتاب الفرائض لعليّ ـ عليه السَّلام ـ .
1- المغني: 6/229.
2- المسالك، كتاب الفرائض عند شرح قول المحقق: ولا يثبت الميراث عندنا بالتعصيب.
1. روى حماد بن عثمان قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن رجل ترك أُمّه وأخاه؟ قال: «يا شيخ تريد على الكتاب؟» قال: قلت: نعم. قال: «كان علي ـ عليه السَّلام ـ يعطي المال للأقرب، فالأقرب». قال: قلت: فالأخ لا يرث شيئاً؟ قال: «قد أخبرتك أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ كان يعطي المال الأقرب فالأقرب».(1)
2. روى زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في رجل مات وترك ابنته وأُخته لأبيه وأُمّه؟ فقال: «المال كلّه للابنة وليس للأُخت من الأب والأُمّ شيء».(2)
3. روى عبد اللّه بن خداش المنقري أنّه سأل أبا الحسن عن رجل مات وترك ابنته وأخاه؟ فقال: «المال للابنة». (3)
4. عن بريد العجلي عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: رجل مات وترك ابنة وعمّه؟ فقال: «المال للابنة وليس للعم شيء، أو قال: ليس للعم مع الابنة شيء».(4)
1- الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث: 6 و 1 .
2- الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث: 6 و 1 .
3- الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين الحديث: 3 و 14. ولاحظ الحديث4و 5 و7 من ذلك الباب.
4- الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين الحديث: 3 و 14. ولاحظ الحديث4و 5 و7 من ذلك الباب.
5. ما رواه حسين الرزاز قال: أمرت من يسأل أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ المال لمن هو؟ للأقرب أو العصبة؟ فقال: «المال للأقرب والعصبة في فيه التراب». (1)
6. ما رواه العياشي في تفسيره عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «اختلف علي بن أبي طالب وعثمان في الرجل يموت وليس له عصبة يرثونه وله ذو قرابة لا يرثونه، ليس لهم سهم مفروض، فقال عليّ: ميراثه لذوي قرابته، لأنّ اللّه تعالى يقول: (وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه) وقال عثمان: اجعل ماله في بيت مال المسلمين. (2)
7. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن الحسن الصفار ، عن السندي، عن موسى بن حبيش، عن عمّه هاشم الصيداني، قال: كنت عند العباس وموسى بن عيسى، وعنده أبو بكر بن عيّاش، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وعلي بن ظبيان، و نوح بن درّاج تلك الأيام على القضاء، قال:
1- وفي السند: صالح بن السعدي وهو ممدوح، والحسين الرزاز مجهول، وفي التهذيب: 9/267 رقم 972 «البزاز» وهو أيضاً مجهول.
2- الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث الحديث 1 و 9.
فقال العباس: يا أبا بكر أما ترى ما أحدث نوح بن درّاج(1) في القضاء، أنّه ورث الخال، وطرح العصبة، وأبطل الشفعة، فقال أبو بكر بن عياش: ما عسى أن أقول لرجل قضى بالكتاب والسنّة، قال: فاستوى العبّاس جالساً فقال: وكيف قضى بالكتاب والسنّة؟ فقال أبو بكر: إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما قُتل حمزة بن عبد المطلب بعث علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ فأتاه بابنة حمزة فسوّغها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الميراث كلّه، فقال له العباس: يا أبا بكر فظلم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جدّي؟ فقال: مه أصلحك اللّه، شرع لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما صنع، فما صنع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ الحقّ.(2)
هذا بعض ما روي عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ و غيرهم ومن أراد الإحاطة بكلّ ما روي فعليه الرجوع إلى الجوامع الحديثية.
1- هو أخو جميل بن درّاج: كان قاضياً في الكوفة، ترجمه النجاشي عند ترجمة ابنه أيوب في رجاله وقال: «صحيح الاعتقاد» أي شيعيّ إماميّ.
2- تهذيب الأحكام:6/356، ذيل الحديث63، باب في الزيادات في القضايا والأحكام، ط الغفاري.
دراسة أدلّة القائلين بالتعصيب
لقد اتّضح الحق وتجلّى بأجلى مظاهره، بقي الكلام في دراسة أدلّة المخالف، فقد استدلّ بوجوه:
الأوّل: لو أراد سبحانه توريث البنات ونحوهنّ أكثر ممّا فرض لهنّ لفعل ذلك والتالي باطل، فإنّه تعالى نصّ على توريثهنّ مفصّلاً ولم يذكر زيادة على النصيب.
بيان الملازمة أنّه تعالى لما ورّث الابن الجميع لم يفرض له فرضاً، وكذا الأخ للأب والعم وأشباههم، فلولا قصر ذوي الفروض على فرضهم لم يكن في التنصيص على المقدار فائدة.
وحاصله: أنّ كل من له فرض لا يزاد عنه وإلاّ كان الفرض لغواً وكل من لم يفرض له يعطى الجميع.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بالنقض بورود النقيصة على ذوات الفروض عند أهل السنّة إذا عالت الفرائض على السهام، كما سيوافيك شرحه فإنّهم يدخلون النقص على الجميع مثل باب الديون، فربّما يكون سهم البنت والأُخت أقل من النصف، فإذا جاز النقص فما المانع من الزيادة، بل الأمر في النقصان أولى، لأنّ النقصان ينافي الفرض بخلاف الزيادة عليه بدليل آخر، فإنّ فيه إعمال الدليلين والأخذ بمفادهما.
وثانياً: بالحلّ إنّ تحديد الفرض بالنصف إنّما يكون لغواً إذا لم تترتّب عليه فائدة مطلقاً، ولكنّه ليس كذلك لترتّب الثمرة عليه فيما إذا كان معه وارث ذو فرض كالأُم ، فإنّ كيفية الرد على الوارثين لا تعلم إلاّ بملاحظة فرضهما ثم الرد عليهما بحسب تلك النسبة فلو لم يكن سهم البنت و البنتين منصوصاً في الذكر الحكيم لما عُلِمت كيفيّة الرد عليهما وعلى الأُمّ.
وبالجملة: أنّه وإن كان لا تظهر للقيد ثمرة إذا كان الوارث هو البنت أو الأُخت وحدها ، ولكنّه ليس كذلك إذا كان معه وارث آخر وهو ذو فرض مثلها كالأُمّ، فإنّ الرد عليهما يتوقّف على ملاحظة فرضهما ثمّ الرد بتلك النسبة.
وثالثاً: أنّ التصريح بالفرض لأجل التنبيه على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف أو الثلثين، وإنّما تأخذ الزائد بعنوان آخر وهو أنّه ليس معه وارث مساو بخلاف الابن أو الأخ، فإنّ كلاّ ً يستحق المال كلّه بالذات.
ورابعاً: إنّ المفهوم في المقام أشبه بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة فيه.
الثاني: قوله سبحانه: (إنِ امْرُؤٌاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ وهوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد).(1)
وجه الاستدلال: أنّه سبحانه حكم بتوريث الأُخت، نصف ميراث أخيها مع عدم الولد وحكم بتوريث الأخ ميراث الأُخت ـ إذا لم يكن لها ولد ـ أجمع بدليل قوله تعالى: (وهو يرثها) فلو ورثت الأُخت ـ نصفه بالفرض و نصفه الآخر بالردّ لأجل القرابة ـ الجميع كما هو مذهبكم لن تبقَ للفرق بين الأخ والأُخت ثمرة أصلاً.
الجواب: أنّ التقييد بالنصف مع أنّها ربّما ترث الكلّ لأجل التنبيه، على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف وأنّ الأصل القرآني هو استحقاق الذكر ضعف سهم الأُنثى وهو النصف، وأنّها إن ورثت المال كله فإنّما هو لأجل طارئة خاصة، على أنّ التصريح بالفرض لأجل تبيين ما يتوقّف عليه تقسيم الفاضل، بينها وبين من يشاركه في الطبقة كالإخوة أو الأخوات من الأُمّ، فإنّ الباقي يردّ عليهما بنسبة سهامهما فلو لم يكن هناك تحديد بالنصف فمن أين تعلم كيفيّة الرد.
الثالث: قوله تعالى: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً )* يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا).(1)
وجه الاستدلال: أنّ زكريا ـ عليه السَّلام ـ لمّا خاف أن ترثه العصبة، سأل اللّه سبحانه أن يهبه وليّاً حتى يرث المال كلّه، لا وليّة حتى ترث المال نصفه ويرث الموالي الفاضل، ولولا ذلك لما أكّد على كون الولد الموهوب من اللّه ذكراً، في قوله سبحانه: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً )* يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا).
يلاحظ عليه: أنّ المقصود من قوله «وليّاً» هو مطلق الأولاد ذكراً كان أو أُنثى، وذلك على مساق إطلاق المذكّر وإرادة الجنس، وهو شائع في القرآن الكريم.
مثل قوله سبحانه: (إلاّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) بشهادة قوله تعالى في آية أُخرى: (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لي مِن لَدُنكَ ذُرِّيّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاء).(2)
1- النساء:176.
بل يمكن أن يقال إنّه طلب ذرّية مثل مريم لقوله سبحانه قبل هذه الآية: (كُلَّما دََخَلَ عَلَيها زَكريّا المحرابَ وَجدَ عِندها رِزْقاً قالَ يا مَريمُ أنّى لَكِ هذا قالَت هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيرِ حِساب )* هنالِكَ دَعا ... )
(3) أي في هذه الحال التي رأى فيها الكرامة من مريم سأل اللّه سبحانه أن يرزقه ذريّة طيّبة (مثل مريم) فلو لم نقل إنّه سأل أُنثى مثل مريم، ليس لنا أن نقول إنّه طلب الذكر.
1- مريم:5ـ6.
2- آل عمران:38.
3- مريم:7ـ8.
سبحانه أن يرزقه ذريّة طيّبة (مثل مريم) فلو لم نقل إنّه سأل أُنثى مثل مريم، ليس لنا أن نقول إنّه طلب الذكر.
ولو سلمنا أنّه طلب الذكر لكنّه لم يطلب لأجل أنّه لو رزق الأُنثى ترثه العصبة وإنّما سأله الذكر للحبّ الكثير له، أو لأنّه أولى بالإدارة من الأُنثى كما لا يخفى.
الرابع: الروايات والآثار الواردة في هذا المجال ولعلّها أهم المدارك والمصادر لهذه الفتيا.
الرواية الأُولى: في أنّ بقية المال لأولى رجل ذكر
روى البخاري عن مسلم بن إبراهيم، عن وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر .(1)
1- صحيح البخاري: 8/151، باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن; وص 152، باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، ورواها عن سليمان بن حرب (مكان مسلم بن إبراهيم) ورجال السند في غيرهما، واحد، و باب ابني عم أحدهما أخ والآخر زوج ص 153، رواها عن أُمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع عن روح عن عبد اللّه بن طاووس.
وصحيح مسلم: 5/59، باب ألحقوا الفرائض بأهلها عن ابن طاووس عن ابن عباس برقم1615.
وصحيح الترمذي في الفرائض باب ميراث العصبة برقم 2099.
وسنن أبي داود في الفرائض باب ميراث العصبة برقم 2898.
ولاحظ السنن الكبرى: 6/238 باب العصبة; جامع الأُصول: 9/6104 برقم 7421.
وهـذه الـرواية ، هي الروايـة المعروفـة برواية طاووس بن كيسان اليمـاني (المتوفّى سنة 132).
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الرواية ضعيفة سنداً، لأنّ الروايات تنتهي إلى عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني وقد وثّقه علماء الرجال (1) ، لكن يعارض توثيقهم مع ما ذكره أبو طالب الأنباري (2) في حقّ هذه الرواية قال: حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا توفّـي عام 356 (رجال النجاشي برقم 615 طبع بيروت).
الحميري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن قاربة بن مضرب(1) قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلأوْلَى عصبة ذكر؟ قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه عزّ وجلّ: (آباؤكُم وأبناؤكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً فريضة مِنَ اللّه)وقوله: (أُولُوا الأرحام بَعضُهم أولى بِبَعض في كتابِ اللّه) وهل هذه إلاّ فريضتان، وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طـاووس يرويه عليّ، قال قاربة بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قـط وإنّما الشيطان ألقـاه على ألسنتهم، قـال سفيـان: أراه مـن قبل ابنه عبـد اللّه بن طـاووس فإنّه كـان على خاتـم سليمان بن عبد الملك (1) وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً ـ أي بني هاشم ـ. (2)


1- تهذيب التهذيب: 5/268; برقم 458 سير أعلام النبلاء، حوادث عام 132، وغيرهما.
2- هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري. قال النجاشي: شيخ من أصحابنا «أبو طالب» ثقة في الحديث، عالم به، كان قديماً من الواقفة توفّـي عام 356 (رجال النجاشي برقم 615 طبع بيروت).

1- وأمّا رجال السند ففي تعليقة الخلاف أنّه لم يتعرّف على البربريّ، وأمّا بشر بن هارون لعلّه تصحيف بشر بن موسى، إذ هو الراوي عن الحميدي على ما في تاريخ البغدادي: 86. والحميدي هو عبد اللّه بن الزبير القرشي توفّي بمكة 219 كما في تذكرة الحفّاظ :2/413، وسفيان هو سفيان بن عيينة ، وأبو إسحاق هو: عمرو بن عبد اللّه بن عبيد السبيعي.
إنّ سليمان بن عبد الملك الأموي المرواني هو الذي قتل أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي الحنفية بالسم ظلماً وخداعاً، فكيف يكون حال من يواليهم؟!
وثانياً: أنّ وراثة العصبة ليست من المسائل التي يقل الابتلاء بها، بل هي ممّا تعمّ البلوى بها في عصر النبيّ وعصور الخلفاء، فلو كان هناك تشريع على مضمون هذه الرواية لما خفي على غيره ونقله الآخرون، وقد عرفت أنّ الأسناد ينتهي إلى عبد اللّه بن طاووس.
وثالثاً: أنّ فقهاء المذاهب أفتوا في موارد على خلاف مضمون هذا الخبر، وقد أشار إليها فقيه الطائفة الشيخ الطوسي، نذكر قسماً منها.
1- سليمان بن عبد الملك بن مروان سابع خلفاء بني أُمية، بويع سنة 96 وتوفّي سنة 98، وهو ابن خمس وأربعين سنة، و كان خاتمه بيده يختم رسائله بخاتمه صيانة عن التزوير.
2- التهذيب: 9/262; الخلاف:2، المسألة 80.
1.لو مات وخلّف بنتاً وأخاً وأُختاً، فقد ذهبوا إلى أنّ للبنت النصف والنصف الآخر للأخ والأُخت (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين) مع أنّ مقتضى خبر ابن طاووس أنّ النصف للبنت أخذاً بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ألحقوا الفرائض بأهلها والنصف الآخر للأخ لأنّه أولى رجل ذكر».
2. لو أنّ رجلاً مات وترك بنتاً، وابنة ابن، وعمّـاً ، فقد ذهبوا إلى أنّ النصف للبنت والنصف الآخر لابنة الابن والعم، مع أنّ مقتضى الخبر أن يكون النصف الآخر للعم وحده لأنّه أولى ذكر. (1)
إلى غير ذلك من الأحكـام التي اتّفقـوا عليهـا وهي على طـرف النقيض مـن الخبر.
فإن قلت: فماذا تصنع بالخبر(خبر عبد اللّه بن طاووس)، مع أنّ الشيخين نقلاه بل نقله غيرهما على ما عرفت؟
1- الخلاف: 2/278، المسألة 80; والتهذيب: 9/262.
قلت: يمكن حمل الخبر على ما لا يخالف إطلاق الكتاب ولا ما أطبق المسلمون عليه، وهو أنّه وارد في مجالات خاصّة: مثلاً:
1. رجل مات وخلّف أُختين من قبـل الأُمّ، وابن أخ، وابنة أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب، فالأُختان من أصحاب الفرائض، كلالة الأُمّ، يعطى لهما الثلث والباقي لأولى ذكر، وهو الأخ لأب.
2. رجل مات وخلّف زوجة وخالاً وخالة، وعمّـاً وعمّة، وابن أخ، فالزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي يدفع إلى أولى ذكر، وهو ابن الأخ.
3. رجل مات وخلّف زوجة، وأُختاً لأب، وأخاً لأب وأُمّ، فإنّ الزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي للأخ للأب والأُم، ولا ترث الأُخت لأب معه.
4. امرأة ماتت وخلّفت زوجاً، وعمّـاً من قبل الأب والأُم، وعمّة من قبل الأب، فللزوج النصف سهمه المسمّى وما بقي للعم للأب والأُمّ، ولا يكون للعمّة من قبل الأب شيء.
إلى غير ذلك من الصور التي يمكن أن ينطبق عليها الخبر.
قال السيد المرتضى، ولا عتب إذا قلنا إنّ الرواية وردت: في من خلّف أُختين لأُمّ، وابن أخ، وبنت أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب، فإنّ الأُختين من الأُمّ فرضهنّ الثلث وما بقي فلأولى ذكر أقرب، وهو الأخ من الأب وسقط ابن الأخ وبنت الأخ، لأنّ الأخ أقرب منهما.
وفي موضع آخر وهو أن يخلف الميّت امرأة وعمّـاً وعمّة، وخالاً وخالة، وابن أخ، فللمرأة الربع وما بقي فلأولى ذكر وهو ابن الأخ; وسقط الباقون. والعجب أنّهم ورثوا الأُخت مع البنت عصبة، فإن قالوا: من حيث عصَّبها أخوها، قلنا: فألاّ جعلتم البنت عصبة عند عدم البنين ويكون أبوها هو الذي يعصِّبها.(1)
1- الانتصار: 280.
الرواية الثانية: ما ورد في ميراث البنتين
ما أخرجه الترمذي وابن ماجة وأبو داود وأحمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، بابنتيها من سعد إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحد شهيداً، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدَع لهما مالاً، ولا تُنكحان إلاّولهما مال، قال: يقضي اللّه في ذلك، فنزلت آية الميراث فبعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى عمّهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أُمّهما الثمن وما بقي فهولك.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ جابر بن عبد اللّه نقل نزول الآية في واقعة أُخرى قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير
1- سنن الترمذي 4/414، باب ما جاء في ميراث البنات رقم 2092; سنن ابن ماجة: 2/908 باب فرائض الصلب رقم 272; سنن أبي داود: 3/121، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2891; و مسند أحمد:4/319، الحديث 14384.
وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، من طرق عن جابر بن عبد اللّه قال: عادني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا أعقل شيئاً، فدعا بماء فتوضّأ منه ثم رشّ عليّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللّه؟ فنزلت : (يُوصيكُمُ اللّهُ فِـي أولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيين) (1) واحتمال نزول الآية مرّتين، أو كون سبب النزول متعدّداً يحتاج إلى دليل.
وثانياً: أنّ ابن كثير روى هذه الرواية وفيها انّ لسعد بن الربيع بنات وليس فيها ذكر للأُم والعم .(2)
وثالثاً: أنّ أبا داود أخرج الرواية وفيها مكان بنتا سعد بن الربيع، بنتا ثابت بن قيس.(3)
و هذا يكشف عن عدم ضبط الراوي فتارة ينقل الواقعة في بنتي سعد بن الربيع وأُخرى في بنتي ثابت بن قيس
1- الدر المنثور: 2/124.
2- جامع المسانيد والسنن:24/ 216،الحديث24.
3- سنن أبي داود:3/120، الحديث 2891.
و إن كان الصحيح هو الأوّل، لأنّ المقتول في غزوة أُحد، هو سعد بن الربيع، و أمّا ثابت بن قيس فقد قتل فـي يوم اليمامة.(1)
ورابعاًً: أنّ في سند الرواية من لا يصحّ الاحتجاج به، وإليك البيان:
1. عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، والأسانيد في سنن الترمذي وابن ماجة وأبي داود، تنتهي إليه.
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال: كان منكر الحديث، لا يحتجّون بحديثه وكان كثير العلم، وقال بشر بن عمر: كان مالك لا يروي عنه، وقال يعقوب بن أبي شيبة عن ابن المديني: لم يُدخله مالك في كتبه، قال يعقوب: وابن عقيل صدوق وفي حديثه ضعف شديد جداً،
1- السنن الكبرى:6/69 باب فرض الابنتين، وقال البيهقي: قوله: ثابت بن قيس خطأ وإنّما هو سعد بن الربيع، وقال أبو داود 3/121 رقم 2891: أخطأ بشر بن المفضل فيه انّما هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة.
وكان ابن عيينه يقول: أربعة من قريش يُترك حديثهم فذكره فيهم، وقال ابن المديني عن ابن عيينة: رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنّه قد تغيّـر، إلى غير ذلك من الكلمات الجارحة التي تسلب ثقة الفقيه بحديثه. (1)
2. الراوي عنه في سنن الترمذي هو عبيد بن عمرو البصري الذي ضعّفه الأزدي وأورد له ابن عدي حديثين منكرين وضعّفه الدارقطني ووثّقه ابن حبَّان.(2)
3. الراوي عنه في سنن أبي داود: بشر بن المفضّل، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عثمانياً . (3)
الى غير ذلك من رجال في الأسانيد، مرميّين بأُمور لا يحتجّ معها.
4. انّ الاستدلال بفعل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فرع معرفة وجهه، فكما يحتمل انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورّث العم من باب التعصيب، يحتمل انّه دفع الباقي إلى العم لأجل تكفله حضانة البنتين والحفاظ على أموالهما من التلف والضياع، والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى
1- تهذيب التهذيب: 6/140، ولاحظ بقيّة كلامه.
2- المصدر نفسه: 4/121.
3- تهذيب التهذيب: 1/459.
بالمؤمنين من أنفسهم فكيف على أموالهم.
أضف إلى ذلك انّه ورد من طرقهم ما يخالف ذلك.
أخرج البيهقي في سننه بسنده عن حيان بياع الأنماط، قال: كنت جالساً مع سويد بن غفلة فأتى في ابنة، وامرأةومولى،فقال: كان علي رضي اللّه عنه يعطي الابنة النصف، والمرأة الثمن ويرد ما بقي على الابنة.(1)
الرواية الثالثة: ما ورد في ميراث البنت والأُخت
روى الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلّماً وأميراً، فسألناه عن رجل توفّي وترك ابنة وأُختاً؟ فقضى: أنّ للابنة النصف، وللأُخت النصف . ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حي.(2)
وفي لفظ أبي داود : أنّ معاذ بن جبل ورث أُختاً وابنة، جعل لكلّ واحدة منهما النصف، وهو باليمن، ونبيّ اللّه يومئذ حي. (1)
1- السنن الكبرى:6/242.
2- صحيح البخاري: 8/150 في الفرائض باب ميراث البنات، وباب ميراث الأخوات مع البنات عصبة.
والأثر يتضمّن عمل الصحابة وهو ليس بحجّة إلاّ إذا أُسند إلى المعصوم وكون النبي حيّاً يوم ذاك لا يلازم تقريراً لعمله.
والرجوع إلى الآثار الواردة عن الصحابة في مجال الفرائض يعرب عن أنّه لم يكن عندهم إحاطة بأحكام الفرائض، بل كلّ كان يفتي حسب معايير ومقاييس يتصوّرها صحيحة. ويكفي في ذلك اختلاف أبي موسى الأشعري مع ابن مسعود في رجل ترك بنتاً وأُختاً وابنة ابن.
روى البخاري : سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأُخت؟ فقال: للابنة النصف، وللا ُخت النصف وأْت ابن مسعود فسيتابعني، قال: سئل ابن مسعود وأُُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : للابنة النصف، ولابنة ابن السدس
1- سنن أبي داود في الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2893. ولاحظ جامع الأُصول: 9/610 رقم 7394.
تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأُخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. (1)
الرواية الرابعة: ما ورد في ميراث الأخوات مع البنات
أخرج البخاري، قال: حدّثني عمرو بن عباس، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سفيان عن أبي قيس عن هزيل، قال: قال عبد اللّه: لأقضين فيها بقضاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للابنة النصف ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأُخت.(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّه لايصحّ الاحتجاج به، إذ في سنده عبد الرحمن بن ثروان، قال ابن حجر في «التهذيب» ناقلاً عن أبي حاتم انّه قال فيه: ليس بقوي، هو قليل الحديث وليس بحافظ.(3)
1- صحيح البخاري: 8/151، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة; سنن الترمذي: 4/415، باب ما جاء في ميراث ابنة الابن مع ابنة الصلب رقم 2093; سنن أبي داود: 3/120، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2890.
2- صحيح البخاري:8/189.
3- تهذيب التهذيب:6/138.
وعده الصقيل من الضفعاء.(1)
وثانياً: أنّ دفع السدس لبنت الابن لم يكن من باب التعصيب، إذ عليه يكون للابنة النصف والباقي بين الأُخت وابنة الابن بالمناصفة، فالحكم عليه بالسدس مخالف للتعصيب.
الرواية الخامسة: ما رواه البخاري في صحيحه عن الأسود

قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ النصف للابنة والنصف للأُخت، ثمّ قال سليمان: قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)
يلاحظ عليه: بأنّه عمل صحابي موقوف لم يسنده إلى قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفعله أو تقريره فهو حجّة عليه.
هذا ما استدلّ به القائل بالتعصيب من الروايات بعد الذكر الحكيم.
1- الضعفاء الكبير:2/327.
2- صحيح البخاري:8/189.
مضاعفات القول بالتعصيب
ثمّ إنّه يلزم على القول بالتعصيب أُمور يأباها الطبع ولا تصدّقها روح الشريعة، نأتي بنماذج:
1. لو كان للميّت عشر بنات وابن، يأخذ الابن السدس، وتأخذ البنات خمسة أسداس، وذلك أخذاً بقوله سبحانه: (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين) .
2. لو كان له مكان الابن، ابن عم للميّت، فللبنات فريضتها وهي الثلثان، والباقي ـ أي الثلث ـ لابن العم. فيكون الابن أسوأ من ابن العم.
قال السيد المرتضى: فإذا تبيّـن بطلان القول بالتعصيب يظهر حكم كثير من المسائل، منها: فمن هذه المسائل أن يخلف الرجل بنتاً وعمّـاً فعند المخالف أنّ للبنت النصف والباقي للعم بالعصبة، وعندنا أنّه لا حظّ للعم والمال كلّه للبنت بالفرض والرد، وكذلك لو كان مكان العم ابن عم، وكذلك لو كان مكان البنت ابنتان، ولو خلف الميت عمومة وعمّـات أو بني عم وبنات عم فمخالفنا يورّث
(64)
الذكور من هؤلاء دون الإناث لأجل التعصيب ـ أي قول: لأولى رجل ذكر ـ ونحن نورث الذكور والإناث. ومسائل التعصيب لا تحصى كثرة. (1)
يقول المحقّق محمد جواد مغنية: إنّ الإنسان أرأف بولده منه بإخوته، وهو يرى أنّ وجود ولده ذكراً أو أُنثى امتداد لوجوده، ومن هنا رأينا الكثير من أفراد الأُسر اللبنانية الذين لهم بنات فقط يبدلون مذهبهم من التسنّن إلى التشيّع، لا لشيء إلاّ خوفاً أن يشترك مع أولادهم الإخوان أو الأعمام.
ويفكر الآن، الكثير من رجال السنّة بالعدول عن القول بالتعصيب، والأخذ بقول الإمامية من ميراث البنت تماماً كما عدلوا عن القول بعدم صحّة الوصيّة للوارث، وقالوا بصحّتها كما تقول الإمامية، على الرغم من اتّفاق المذاهب على عدم الصحّة. (2)
1- الانتصار: 282.
2- الفقه على المذاهب الخمسة: 517ـ 518.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق