الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الخلاف في التعصيب





تاريخ النشر: 2013-03-11 17:32:00

عدد القراءات: 5660


الخلاف في التعصيب
ينشر الخط الرسالي بالمغرب وجهات نظر علمية تثبت كون الخلاف في التعصيب هو خلاف اجتهادي لا أنه من الثوابت الدينية القطعية ..خلافا لما يتوهم بعض الجهال والمتعصبين ..ومن هذه الرؤى رؤية أستاذ جامعي سني المذهب من السودان حول مسألة التعصيب وخاصة ذلك الذي في صورة حرمان البنت من بعض ميراث أبيها وذهابه للعم أو ابن العم لأنهم ذكور وهي أنثى ..
"المبحث الرابع من الفصل الثالث من كتاب : "الخلاف الفقهي في الوصية وميراث المرأة" للكاتب السوداني والأستاذ بجامعة سنار بالسودان الدكتور هشام بدر موسى " :
الخلاف في التعصيب
الدكتور هشام بدر
العصبة في اللغة: أولياء الرجل الذكور من ورثته, والجمع العصبات والواحد منهم عاصب مثل طالب وطلبة, وظالم وظلمة[47].
وفي الاصطلاح: (هو كل من يأخذ المال عند الانفراد, ويأخذ الباقي بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم)[48].
أقسام العصبة:
تنقسم العصبات في الميراث إلى ثلاثة أقسام[49]
الأول: العصبة بالنفس: وهو: (ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت انثى )
الثاني:العصبة بالغير: وهي أربعة أنواع: البنت الصلبية، بنت الابن، الأخت الشقيقة، الأخت لأب
وهؤلاء يكن عصبة مع أخوانهن.
الثالث: العصبة مع الغير: وهو الأخت الشقيقة أو لأب مع البنت أو بنت الابن.
اتفق علماء السنة على مشروعية الإرث بالتعصيب, وخالفهم الشيعة الأمامية فأنكروا الإرث بالتعصيب وقالوا: الإرث يكون بالقرابة.
ورغم اختلافي مع الشيعة بكل فروعهم في كثير من القضايا إلا أنّ ذلك لا يمنع الوقوف على أدلتهم ومناقشتها, حيث أن الأمر يخضع للدليل والنظر والترجيح. فعلينا النظر في أدلتهم طالما هي من الكتاب والسنة.
أدلة السنة: استدل أهل السنة على الإرث بالتعصيب بالآتي:
1 – قوله تعالى: ]وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ[[50]
وجه الاستدلال بهذه الآية أنهم قالوا: نصت الآية على نصيب كل من الأبوين عند وجود أولاد للميت وهو السدس, وقد ذكرت الآية نصيب الأم فقط في حالة وجود الولد ولم تذكر نصيب الأب ففهمنا أن الباقي له. فيكون إرثه بالتعصيب.
2 – قوله تعالى: ]إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ليْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ[[51] دلت الآية على أن الأخ الشقيق ليس له فرض مقدّر وإنما يأخذ كل المال إذا لم يكن لها ولد, وهذا معنى العصبة.
3 – قوله $ (أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)[52] ومعنى الحديث أعطوا كل ذي فرض فرضه. وما بقي بعد ذلك من الميراث أدفعوه لأقرب رجل ذكر.
الشيعة الأمامية:
قالوا: الإرث يكون بالفرض, أو القرابة. فيعطى صاحب الفرض فرضه، ويعطى الباقي للأقرب رحماً بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى, ولا يعطى البعيد وإن كان ذكراً.
دليلهم:
1/ قوله تعالى: ] لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً [[53]
وقالوا تدل هذه الآية على أن النساء في درجة الرجال من حيث استحقاق الإرث لا من حيث مقداره. فلذلك يجب أن لا نحرم أنثى من الميراث بحجة أن الذكر أولى منها وهما في درجة واحدة.
2/ قوله تعالى: ]وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[[54] وجه الاستدلال أن ذوي الأرحام والقرابة أحق بميراث بعضهم. فكل من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى.
هذه بعض أدلة السنة والشيعة الأمامية في القول بالتعصيب والقول بالقرابة. وعند مناقشتها وجدت نفسي اتفق مع كل فريق منها في جانب واختلف معه في جانب آخر. فأهل السنة أتفق معهم في الإرث بالتعصيب واختلف معهم في مسألتين الأولى: حصرهم العصبة بالنفس على الذكور فقط. والثانية في العصبة مع الغير. والشيعة الأمامية اختلف معهم في إنكارهم للتعصيب مطلقاً واتفق معهم في عملهم به في بعض المسائل. فهم على الرغم من إنكارهم له إلا أنهم يعملون به في بعض المسائل ويسمونه الإرث بالقرابة. ولذلك جاءت بعض المسائل متفقة في توزيع التركة في المذهبين مما لا يترتب على الخلاف ثمرة. ومثاله إذا توفى رجل وترك أباً وابناً. فعند المذهبين الأب يأخذ فرضه وهو السدس والباقي للابن. ولكن نصيب الابن جاء عند السنة تعصيباً وعند الشيعة الأمامية بالقرابة فالخلاف في مثل هذه الحالات خلاف مصطلح لا غير.
ولكن تظهر ثمرة الخلاف في صور أخرى خاصة الصور التي فيها إناث. مثال توفى رجل وترك أباً وبنتاً. فعند السنة، الأب يأخذ فرضه وهو السدس والبنت تأخذ فرضها وهو النصف والباقي يرد على الأب لأنه عاصب بنفسه. وعند الشيعة الأمامية الأب يأخذ فرضه وهو السدس والبنت تأخذ فرضها وهو النصف والباقي يرد لها لأنها الأقرب للميت.
ونلاحظ أن سبب الخلاف في هذه الصورة ونحوها أن الشيعة الأمامية يقولون الإرث يكون بالقرابة لذلك ردوا الباقي على البنت لأنها الأقرب للميت.
وأهل السنة يقولون الإرث يكون بالتعصيب ثم حصروا العصبة بالنفس على الذكر دون الأنثى فردوا الباقي على الأب لأنه ذكر.
والذي أراه أن رأي الشيعة الأمامية في هذه الصورة ونحوها أقرب للصواب وذلك للآتي:
أولاً: حصر العصبة بالنفس في المذكر دون المؤنث يؤدي إلى توريث الرجال دون النساء مع كونهما في مرتبة واحدة ويتضح ذلك من خلال الصور التالية:
1/ مات رجل وترك بنتاً, وابن أخ, وابن أخت.
عند السنة, للبنت النصف فرضاً, ولابن الأخ الباقي تعصيباً لأنه أولى رجل ذكر. أما ابن الأخت فلا شيء له لأنه يدلي للميت بأنثى. رغم أن ابن الأخ وابن الأخت في درجة واحدة.
2/ مات رجل وترك أختاً, وعماً, وعمةً. فللأخت النصف والباقي للعم لأنه رجل ذكر. أما العمة فلا شيء لها لأنها أنثى مع أنهما في درجة واحدة.
3/ مات رجل وترك بنتاً، وابن أخ، وبنت أخ. فللبنت النصف، ولابن الأخ الباقي تعصيباً. أما بنت الأخ فلا شيء لها لأنها أنثى.
نلاحظ في الصورة الأولى أعطى ابن الأخ؛ لأنه يدلي للميت بذكر. وحرم ابن الأخت لأنه يدلى بأنثى. وفي الصورة الثانية أعطى العم؛ لأنه ذكر وحرمت العمة؛ لأنها أنثى. وفي الصورة الثالثة أعطي ابن الأخ؛ لأنه ذكر وحرمت بنت الأخ، لأنها أنثى. والله سبحانه يقول: ] لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً [ فالآية تؤكد استحقاق الذكر والأنثى إذا كانوا في درجة واحدة بغض النظر عن مقدار إرثهما. فقد يكونوا متساويين كالأب والأم في حالة وجود الولد. أو قد يكونوا غير متساويين كالأب والأم في حالة عدم وجود الولد. أو قد يكون للذكر مثل حظ الأنثيين. المهم لا يعطى الذكر وتحرم الأنثى وهما في درجة واحدة. فإما أن يعطوا جميعاً أو يحرموا جميعاً. وفي الصور السابقة لا أقول ينبغي أن نعطى بنت الأخ مع ابن الأخ في وجود البنت. أو نعطى العمة مع العم في وجود الأخت. فالأخوة والأخوان وأبنائهم والأعمام والعمات لا ميراث لهم إذا كان معهم من هو أقرب منهم وأولى منهم بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى.
ففي الصور السابقة الميراث كله للبنت في الصورتين الأولى والثالثة نصفه فرضاً والنصف الآخر تعصيباً. وفي الثانية الميراث كله للأخت نصفه فرضاً والنصف الآخر تعصيباً. مثلما لو ترك ابناً ومعه مَنْ معه مِنْ أولي الأرحام غير ذوي الفرائض فالميراث كله للابن.

ثانياً: حصر التعصيب بالنفس في الذكور دون الإناث يخالف المعقول والعدالة التي تقتضيها روح الشريعة. وإليك هذه النماذج.
1/ توفى رجل وترك عشر بنات وابن واحد فالمعمول به تقسيم التركة على 12 سهم للابن 2/12 وللبنات 10/12 لاحظ أن نصيب الابن 1/6 من التركة ونصيب البنات 5/6 من التركة. هذا التقسيم سليم عملاً بقوله تعالى: ] للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ[ ولكن تظهر المفارقة إذا كان مكان الابن ابن عم مثلاً.
فيكون التوزيع كالآتي: للبنات 2/3 والباقي لابن العم وهو 1/3 نجد أنه عندما يكون ابناً للميت وهو الأقرب يأخذ السدس وعندما يكون ابن عم للميت وهو الأبعد يأخذ الثلث فيكون نصيب الأبعد أكثر من الأقرب. والذي أراه يوافق العدالة في حالة ابن العم أن تكون البنات عصبة بأنفسهن فيأخذن جميع المال الثلثين فرضاً والباقي تعصيباً لأنهن أقرب للميت الذي هو أبوهم من ابن عمهن أو غيره.
2/ توفى رجل وترك ابناً واحداً حتى لو كان عمره شهراً واحداً أو يوماً واحداً ومعه عشرة أخوان للميت. فإن المال كله للابن ولا شيء للأخوان أو الأعمام أو كائنٍ مَنْ كان مِنْ العصبات. لأنه ذكر. والبنات العشر في الصورة السابقة إناث لذلك يأخذ عمهن أو ابن عمهن أكثر من أي واحدة منهن وذنبهن إنهن إناث. أليست هذه مفارقة. أليس هذا توريثاً فقط بمعيار الذكورة والأنوثة الذي حاربه الإسلام. هناك تبريرات واهية يسوقها بعض الفقهاء لإثبات تفضيل الله تعالى للذكر على الأنثى في الميراث منها:
1 – الذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى.
2 – الذكر ينفق والأنثى ينفق عليها.
3 – الذكر التزاماته المادية أكثر من الأنثى.
وغيرها من التبريرات الواهية التي يخالفها الواقع وتجاوزها الزمن عندما كانت المرأة قابعة في البيت. ولكنها الآن أصبحت شريكة الرجل في كل شيء, وفي كثير من الأحيان تكون البنت أنفع لأهلها من أخيها بل أحياناً تقوم بكل نفقات زواجها في هذا الزمن الذي أصبح فيه الزواج وتكوين الأسرة هاجساً يؤرق المجتمع.
إن تفضيل الله تعالى للذكر على الأنثى في حالة معينة ذكرها الله عز وجل في قوله ] للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ[ وهذا أمر رباني نقبله كما هو تعبداً لله في حالاته التي ذكرها ولا نقيس عليها أو نعممها على جميع حالات الميراث ولا نحاول تبريرها بتبريرات واهية.
كل هذه الصور السابقة التي ذكرتها تؤكد أن حصر التعصيب بالنفس على الرجال دون النساء لا يحقق العدالة التي تنشدها الشريعة الغراء.
من الأدلة التي استند عليها علماء السنة في حصرهم التعصيب بالنفس على الذكور ما رواه البخاري (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)[55].
وقد تناول كل من علماء السنة والشيعة الأمامية هذا الحديث بالمناقشة والتوضيح. فتناوله أهل السنة حجةً لقولهم بالإرث بالتعصيب. وتناوله الشيعة الأمامية محاولين تضعيفه وإثبات عدم صحة الاحتجاج به. ولدىّ مآخذ على الطريقة التي تناول بها كل فريق هذا الحديث.
فمأخذي على علماء الشيعة أنهم حاولوا تضعيفه بالطعن في سنده. واستندوا في ذلك على ما أورده ابن حجر العسقلاني نقلاً عن أبي جعفر الطوسي: (ذكر أبو جعفر الطوسي في تهذيب الأحكام عن أبي طالب الانباري عن محمد بن أحمد البريري عن بشر بن هارون حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال جلست إلى ابن عباس بمكة فقلت روى أهل العراق عن طاووس عنك مرفوعا: ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر. فقال أبلغ أهل العراق إني ما قلت هذا ولا رواه طاووس عني. قال حارثة فلقيت طاووسا فقال: لا والله ما رويت هذا وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم.)[56]
وقد حاولتُ تتبع هذا الخبر فلم أجد له مرجعاً أطمئن إليه. وبمراجعة سند الحديث في المصادر الموثوقة وجدتُه حديثاً صحيحاً. ورغم أنه حديث آحاد إلا أن علماء الحديث أجمعوا على صحة قيام الحجة بحديث الآحاد. قال ابن حجر (من المسلم به عند جمهور المسلمين أنّ الحديث إذا صحّ قامت به الحجة دون الالتفات إلى درجة الثبوت فالتواتر ليس شرطاً للعمل بالرواية)[57] وهذا ينفي محاولة الشيعة الأمامية تضعيف الحديث.
أما مأخذي على علماء السنة أنهم استدلوا بالحديث على جواز التعصيب مطلقاً وحصروا به التعصيب على الذكر فقط, وحرموا به الأنثى التي في درجة واحدة مع الذكر وجعلوا للبعيد أكثر من القريب – كما وضحت في الصور السابقة – كل ذلك بسبب التعصيب مطلقاً وحصره في الذكر دون الأنثى.
ولذلك أقول: إنّ الحديث لا يجعل قضية الإرث بالتعصيب قضية مطلقة فكل ما وجدنا رجلاً ذكراً نعطيه جميع المال أو نعطيه كل الباقي حتى لو وُجِدَ مَنْ هو أقرب وأولى منه. وكل ذلك يحدث في توزيع الميراث بحجة العصبة بالنفس. وعليه يمكن حمل الحديث على ما لا يعارض مفهوم قوله تعالى: ]لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ[ وقوله تعالى: ]وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ[ وبذلك يكون العمل بالحديث وارد في حالات خاصة. وما يؤكد ما ذهبت إليه أن علماء السنة أنفسهم أفتوا في بعض المسائل على خلاف مفهوم الحديث.
منها: توفى رجل وترك زوجة, وبنتاً, وأخاً, وأختاً
فالمعمول به عند أهل السنة للزوجة التمن, للبنت النصف, والباقي للأخ والأخت تعصيباً للذكر مثل حظ الأنثيين. وقالوا أن الأخت في هذه الحالة عصبة بأخيها. ولكن قولهم هذا فيه مخالفة واضحة لنص الحديث الذي يتمسكون به في التعصيب بالنفس. لأن الزوجة لها فرض وهو الثمن والبنت لها فرض وهو النصف. وحسب نص الحديث مفترض أن يكون الباقي للأخ وحده لأن الحديث قال: (ما بقى لأولى رجل ذكر) وأولى رجل ذكر هو الأخ وعندما دخلت معه الأخت وصارت عصبة به. علمنا أن الحديث يعمل به في حالات معينة وهذه نماذج منها.
1- مات رجل وترك أب, أم, ابن, زوجة ، أخ
أصحاب الفرائض هم الأب السدس, الأم السدس, الزوجة الثمن الباقي من الوارثين هم الابن, والأخ. الأولى هو الابن ولذلك يأخذ الباقي والأخ محجوب.
2- مات رجل وترك زوجة, خال, خالة, عم, عمة, ابن أخ
الزوجة الربع . أولى رجل ذكر هو ابن الأخ فهو العاصب ويسقط الباقون
فهذه الحالات ونحوها تؤكد أن الحديث يعمل به في حالات معينة, وهو بالتالي لا يصلح حجة لا طلاق التعصيب, وجعل التعصيب بالنفس خاصاً بالذكر دون الأنثى.
التعصيب مع الغير :
هناك نقطة أخرى اختلف فيها مع جمهور السنة وهي القول بالتعصيب مع الغير حيث جعلوا الأخوات مع البنات عصبة مثال توفى رجل وترك بنتاً واختاً. جعلوا للبنت النصف فرضاً وللأخت النصف الآخر تعصيباً.
ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ]إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ[ وقالوا وجه الاستدلال بالآية قوله تعالى: ] لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ[ ويظهر عدم سلامة دليلهم في أنهم فسروا الولد بكونه ذكراً.
ألم أقل أن التوريث بمفهوم الذكورة والأنوثة لم يزل مسيطراً على الكثير من قواعد الميراث. فسروا الولد بكونه ذكراً على الرغم من أن كلمة ولد لم ترد في القرآن الكريم وفي لسان العرب ألا والمقصود بها الذكر والأنثى على السواء. وفي كل آيات الميراث الولد هو الذكر والأنثى ولكن – سبحان الله – في هذه الآية قالوا الولد هو الذكر لأنهم استكثروا على البنت أن تأخذ جميع المال وحدها فأرادوا أن يشركوا معها غيرها فقالوا الولد في هذه الآية يقصد به الذكر فقط.
وهذا الأمر غير متفق عليه حتى بين أهل السنة, فقد خالفهم فيه ابن عباس وذهب إليه داود الظاهري وطائفة من أهل العلم. وهو رأي الشيعة الأمامية. [58] وقالوا: إنّ الله تعالى قيّد ميراث الأخت في هذه الحالة بعدم وجود الولد. والولد في كل القرآن وفي اللسان العربي يطلق على المذكر والمؤنث. ألا ترى أن الله تعالى حجب الزوج من النصف إلى الربع, والزوجة من الربع إلى الثمن بالولد, والأم من الثلث إلى السدس بالولد, فاستوى فيه الذكر والأنثى.[59] ولذلك فإن الميراث في الصورة السابقة على مذهب ابن عباس والشيعة الأمامية أن يكون المال كله للبنت ولا شيء للأخت.
أرجح رأي ابن عباس والشيعة الأمامية لقوة حجتهم, في أن اسم الولد يطلق في جميع آيات الميراث واللغة على المذكر والمؤنث.
ما عليه العمل في القانون السوداني:
أخذ القانون السوداني برأي الجمهور من أهل السنة المادة (367) ترث الأخت الشقيقة. الفقرة ج – بالتعصيب مع الغير إذا كان معها فرع وارث مؤنث, ولم تكن محجوبة وتأخذ في هذه الحالة ما بقي من التركة بعد أصحاب الفروض.
كما جاءت المادة (369) ترث الأخت لأب: الفقرة هـ - بالتعصيب مع الغير إذا كان معها فرع وارث مؤنث, ولم يكن معها أخ لأب يعصبها ولم تكن محجوبة[60].
نلاحظ أن القانون السوداني ورّث الأخت حتى مع وجود الولد آخذاً برأي الجمهور الذي فسر الولد بكونه ذكراً فقط. والذي أراه أن الصواب عدم توريث الأخت مع البنت لأن الله تعالى ورثها بشرط (ليس له ولد) والولد في الميراث وفي العربية يشمل البنت والابن.
المراجع :


[47] - لسان العرب, ابن منظور, مادة عصب 1/652
[48] - المواريث في الشريعة الإسلامية, الصابوني, ص55
[49] - المرجع السابق.
[50] - النساء, الآية 11
[51] - النساء, الآية 176
[52] - صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري ،دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت ، ط3 ، 1407 – 1987 ، ج6 ،ص 2476
[53] - النساء, الآية 7
[54] - الأنفال, الآية 75
[55] - صحيح البخاري ، 6/2376
[56] - تهذيب التهذيب ، ابن حجر العسقلاني ،ط 1، دار الفكر 1404ه ، ج5 ، ص235
[57] - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر, أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني, تحقيق عبد الله بن ضيف الله الرحيلي ، ط1 ، مطبعة سفير بالرياض1422هـ ، 1/46
[58] - الفقه الإسلامي وأدلته . أ.د وهبة الزحيلي 10/438
[59] - المرجع السابق .
[60] - قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م ، المادة 367،369







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق