الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


الخط الرسالي بين وحدة الدين وتنوع الشرائع





تاريخ النشر: 2013-01-27 10:18:00

عدد القراءات: 2798


"الخط الرسالي : بين وحدة الدين وتنوع الشرائع
عصام احميدان الحسني








مما لا شك فيه أن "الإسلام" هو رسالة عقائدية أرسى معالمها الله عز وجل بواسطة أنبيائه ورسله منذ نوح عليه السلام وصولا إلى سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله {شرع لكم من الدِّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى} غير أن الإسلام المحمدي إنما تأسس على مرجعية ملية تاريخية ألا وهي ملة إبراهيم الخليل ع الذي أسمى أتباعه في زمانه وفي أعقابه ب "المسلمين" ولم يحملوا اسم "الإبراهيميين" أو "المحمديين" خلافا لمن نسب شريعة نبي ورسول لقوم معينين "اليهود إلى يهوذا ، والنصاري إلى أنصار عيسى ع " لذلك ارتبطت تسمية "المسلمين" بملة بإبراهيم الخليل عليه السلام بوصفه أول المسلمين وأيضا باعتباره أول من أسمى هذه الأمة بهذا الإسم "المسلمين" :"وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" "سورة الحج ، آية 78 " ، فمن الواضح أن القرآن الكريم هنا يتحدث عن إبراهيم عليه السلام بوصفه المرجعية "الملية" لا "الدينية" عندما قال تعالى "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين" ، وما يؤكد ذلك أيضا ما جاء في سورة الأنعام ، الآية 161 "ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" ، ففرضية "الترادف" تنتفي بانتفاء تكرار "الاقتران" بين "إبراهيم ع " و "الملة" واعتبارها السند العقائدي التاريخي لملة المسلمين المحمديين ..ولمزيد من التأكيد أيضا قال تعالى : " {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً} [النساء:125] ، فأحسن الناس قولا وفعلا من التزم الإسلام منهجا واتبع ملة إبراهيم حنيفا ، فالدين مفهوم أوسع من الملة ، وإلا لما أمكن ضم اتباع ملة إبراهيم إلى الإسلام لتشكيل ماهية "أحسن الدين" ، وأيضا لدلالة "الواو" العاطفة في الآية على كون المعطوف والمعطوف عليه أمران لا أمر واحد .
إن الله تعالى عندما خاطب المسلمين المحمديين :"وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" "سورة الحج ، آية 78 " فإنه أراد بذلك أن يحدد للمسلمين مرجعيتهم "الملية" لا "الدينية" ، مادام أن الله تعالى جعل المسلمين المحمديين في ملة إبراهيم ع متصديا لمحاولات اليهود والنصارى إضفاء سمة "اليهودية" و"النصرانية" على إبراهيم الخليل ع قائلا : (ما كانَ إبراهيمُ يَهُودِيّا وَلا نَصْرَانِيّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفا مُسْلِما وَما كانَ مِنَ المشرِكِينَ)"سورة آل عمران ، آية 67 وأيضا قوله تعالى(قُل إِنَّني هَداني رَبِّي إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ دِينا قِيَما مِلَّةَ إبراهيمَ حَنِيفا وَما كانَ مِنَ المشركينَ) (الاية 161)، أي أن ربي هداني إلى دين قويم مرجعيته "الحنيفية الإبراهيمية" .
فالإسلام المحمدي جاء ليعيد إنتاج الحنيفية في الجزيرة العربية ، حيث اتصل بهذه المنطقة وأهلها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وأمه هاجر ع ، وشاء الله أن يبعث "الحنيفية الإبراهيمية" بعدما أصاب المنظومة العقائدية والتشريعية لأتباع الأنبياء السابقين خللا كبيرا على مستوى "تحريف النص" تنزيلا وتأويلا ، لتكون بذلك هوية الدعوة المحمدية أنها "إسلامية المنطلق العقائدي ، حنيفية الملة ، قرآنية الشرعة والمنهاج" ..وما يؤكد ذلك أن المسلمين في فريضة الحج لا يزالون يحتفلون بكل الشعائر الحنيفية الإبراهيمية إلى يومنا هذا ، كما أنهم في بعض المأثور على مستوى الصلاة والتسليم يصلون على النبي محمد وآله فإنهم يذكرون صلاة الله على إبراهيم وآله " اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " ، مما يؤكد تمامية الاتصال بين الشريعة المحمدية والحنيفية الإبراهيمية .
إننا وإن كنا نتحدث عن تنوع "ملي" فإننا نؤكد أيضا على وحدة "الدين الإسلامي" لقوله تعالى " إن الدين عند الله الإسلام" "سورة آل عمران ، الآية 19 " ، وقوله تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " " سورة المائدة ، آية 3 " ، وقوله تعالى: " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " " سورة آل عمران ، آية 85 " .. ولعل عدم التمييز بين مفهومي "الدين" و "الملة" هو ما أوقع العديد من الدارسين والباحثين في تخبط مفاهيمي عميق ، فتحدثوا عن كون الدين الإسلامي أرسى معالمه إبراهيم الخليل ع ، بينما يحدثنا الله عز وجل عن كون "الإسلام" مثل الدين الواحد حتى بالنسبة لأنبياء سبقوا إبراهيم ع كنوح عليه السلام إذ قال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ) " سورة الشورى ، آية 13 و 14 " وأيضا يقول تعالى في سورة يونس على لسان نبي الله نوح عليه السلام " فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ " .
إن الله تعالى دعا إلى وحدة الدين "الإسلام" واعتبره الجامع بين الأنبياء والمرسلين إذ قال كما ورد في الآية السالفة الذكر ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ، معتبرا أن التنوع الذي حصل بين رسالات الله التي حملها أنبياء الله ورسله هو تنوع على مستوى "الشريعة" و"المنهاج" لا على مستوى الدين ، إذ قال سبحانه : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) .
من جهة أخرى ، حصل اشتباه لدى كثير من الباحثين والدارسين للقرآن الكريم ، فلم يفهموا حقيقة "الأولية" ولم يحملوها على محملها الصحيح ، ف"أولية" إبراهيم عليه السلام في الإسلام في قوله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" " سورة الأنعام ، آية 163 " لا تعني أن الإسلام كدين انطلق مع إبراهيم عليه السلام ، لأن نوحا ع أيضا أمر ليكون من المسلمين ، ومن المعلوم أن نوحا ع أسبق من إبراهيم ع ، بل إننا وجدنا أن الله تعالى قد أمر نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وآله بأن يكون أول المسلمين ..كما في قوله تعالى " قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين" " سورة الأنعام ، الآية 14" وأيضا كما في قوله تعالى :«قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين و أمرت لأن أكون أول المسلمين»: الزمر: 12 ، وأيضا وجدنا في القرآن الكريم أن موسى ع قال عن نفسه أنه "أول المؤمنين" كما في قوله تعالى " وَلَمّا جَآءَ مُوسَىَ لِمِيقَاتِنَا وَكَلّمَهُ رَبّهُ قَالَ رَبّ أَرِنِيَ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلّىَ رَبّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرّ موسَىَ صَعِقاً فَلَمّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوّلُ الْمُؤْمِنِينَ " "سورة الأعراف،143".
إن "الأولية" هنا تعني أن أول من يتلقى الأمر بالخضوع والتسليم بما شرع الله هو الرسول ، فكل رسول هو بالضرورة أول المسلمين بما أمر أن يبلغه من رسالة الله لخلقه ، كما أن كل نبي ورسول إلا وهو أول مؤمن بالآيات التي أراه الله وأول مسلم بما أمره به الله ، فلا إشكال ولا تعارض وإن ظهر ذلك لذوي الفهم السطحي للقرآن الكريم .
إننا بهذا الاعتبار نصنف أنبياء الله والمرسلين كموسى وعيسى عليهما السلام كخطوط تشريعية "التوراة والإنجيل" لا كخطوط عقائدية منفصلة عن الدين الواحد "الإسلام" ، وبالتالي فإن الحديث عن اليهودية والمسيحية كأديان مجانب للصواب لأنه ثبت مما تقدم أن الدين واحد ، إنما تختلف الشرائع والمناهج ، لأن كلا من موسى وعيسى عليهما السلام أكدا على "إسلامية" الدين ، واعتبروا أنفسهم بهذا اللحاظ مسلمين .
كخلاصة ، فإن الحديث عن الحوار بين الأديان والملل لا معنى له ، لأننا بحسب القرآن الكريم نؤمن بوحدة الدين الإسلامي في ظل تنوع الشرائع والمناهج " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " ، كما نؤمن بأن الملة الحنيفية لإبراهيم عليه السلام شكلت الأساس "الملي" لكل من الخط الرسالي الذي رسمه أنبياء الله كموسى ع وعيسى ع وصولا إلى الخط الرسالي الذي جسده رسول الله صلى الله عليه وآله ..وبالتالي ، فإننا بدلا من الدعوة إلى حوار الأديان ، يجب أن نتحدث عن "حوار الشرائع " التي يجب أن تنطلق من أرضية مشتركة ألا وهي "الإسلام" بمعنى الخضوع والتسليم لأمر الله .
*رئيس تحرير الخط الرسالي بالمغرب .







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق