الحركة الإسلامية

الاجتهاد والتجديد

قضايا وطنية

قضايا خارجية


التأويل السلفي للثوابت الدينية بالمغرب





تاريخ النشر: 2012-10-24 00:00:00

عدد القراءات: 2071


المصدر : موقع التواصل أونلاين التابع للمركز الثقافي الإسلامي ببيروت :
التأويل السلفي للثوابت الدينية الرسمية في المغرب
عبد الحكيم أبو اللوزّ*

تندرج هذا الدراسة في سلسلة الأبحاث المدرجة في علم اجتماع الدين والرامية إلى اختبار فرضية الإسلام المغربي التعدّدي المنفلت من كلّ أيديولوجيا تسعى إلى تنميطه داخل رؤية دينية- ثقافية محدّدة ومخالص هذه الفرضية، ذلك أنّ ملاحظة الإسلام في المغرب تظهر تعدّداً سوسيولوجياً يتعلّق بأشكاله الموجودة في المجتمع، فهناك أنماط تديّن وتعبُّد متنوّعة غير قابلة لأن تُحصر في قالب مذهبيّ محدّد، ولكن وسط هذا الواقع المتحوّل، وجدت حركية أدّت إلى إضعاف أنماط التديّن التقليدية وبروز أخرى التي أنتجت تصوّرات دينية ورموز غير مرتبطة بالبيئة المحلّية ضرورة، ولكنّها تتّجه شيئاً فشيئاً إلى التناغم مع الحركية التي توقدها حركات اجتماعية ترمي إلى إحياء الدين الإسلامي المحض المستقلّ من الثقافة المحيطة به باعتبار أنّ الإسلام عقيدة وممارسة هو التعبير الحقيقي عن "إسلام السلف".

وفي ظلِّ الضغوط المتزايدة عليها بعد أحداث 11 سبتمبر وما تلاها وقع تغيير في استراتيجة التأويل الجديد من أجل ضمان استمرار انتشاره والتكيّف مع الواقع الجديد، من خلال تفسيرات براغماتية.

ولاكتشاف الرؤية الجديدة تمّ استعمال تقنية استجواب المجموعات البؤرية، حيث استعملت هذه الأداة مع طلبة المعاهد الدينية التابعة لاثنين من التنظيمات السلفية، مع تقسيمهم إلى مجموعتين مستقلّتين، تنتمي كلّ واحدة منها إلى تنظيم محدّد، ومن بين الثمانين طالباً الذين يتكوّن منهم كل معهد تمّ اختيار عينة لا تقلّ عن عشرة طلبة، تضمّنت أجندة البحث أسئلة كانت تبدو منطقية بالنظر إلى الجدل الذي ملأ –ولا يزال- الساحة المغربية حول مكوّنات " الهوية الدينية المغربية"وهي كالتالي:

- هل تتّفق مع تبنّي المالكية كمذهب للدولة؟

- ما رأيك في الرأي القائل إن الأشعرية هي العقيدة الرسمية للمغاربة؟

- هل توافق على أنّ الصوفية كمرجع في السلوك والتربية والأخلاق مكوّن أساسي في النظرة إلى الإسلام؟

والحقيقة، فقد كانت الأسئلة عند المحاورين أشبه بمحفّزات تحريضية، وجد فيها المحاورون مناسبة للإدلاء بانطباعات غنية عن اتجاههم العقدي والفكري، لم تكن أجوبتهم تتوقّف عند حدود الردّ بالإيجاب أو بالسلب، بل يمكنني تشبيهها « بتأصيلات » في هذه القضايا. كانت بالنسبة إلي مؤشّرات حسمت في تحديد الاتجاهات المذهبية لهؤلاء مع تسجيل انسجامها والتفاوت الكبير في التصريح بها والمحاججة بها.

وبطبيعة الحال فقد حاولنا قدر الإمكان، وفي حدود ما تؤهّلنا إليه مقدراتنا الشخصية، إظهار قدر من مشاركة المستجوبين في رؤيتهم للعالم، وذلك من أجل جعلهم يشرحون لي إدراكهم للأحداث كما لو كانوا يشرحونها لواحد من أتباع الحركة، إذ لا يفصح الناس عادة عن رؤيتهم للعالم إلا عندما يسلمون جدلاً بأنّ هناك تقويماً مشتركاً للقضايا.

وفي المحصلة، فإنَّ السلفية المغربية في سياق الإعلان عن السياسة الدينية الرسمية في 2004 (عقد لها بعد ذلك عبر الدروس الاحسنية الافتتاحية) أصبحت تفسّر هذه الثوابت السياسة الدينية في المغرب ( الأشعرية، المالكية، الصوفية)، في اتجاه الإقرار بها، لكن بدون أن تتنازل عن خصوصية انتمائها المذهبي والعقدي، مستغلّة بذلك الدرجة العالية من العمومية التي يكتسيها الحديث عن التوجّهات الدينية الرسمية، ففي مواجهة "ثابث الاشعرية"، فإنَّ هؤلاء يحيلون على "العقيدة الأشعرية السلفية" التي أظهرها في مؤلفه "الإنابة" الذي كتبه في أواخر حياته، بعدما اتهم بمخالفة السلفية واعماله التأويل في الذات الالهية وأفعالها وصفاتها في مراحل سابقة من حياته، وبالتالي فالإحالة على عقيدة الأشعري في التفسير الرسمي العام، حسب السلفيين لا تنهض معياراً للتمييز بين العلماء والدعاة من حيث إخلاصهم لثوابت الأمة.

الاستنتاج ذاته يصدق على ثابت المذهب المالكي، الذي تتنازعه العديد من الاتجاهات ليصبح معبّراً عن توجهاتها العقدية والمذهبية. فمن ناحية، لا يُبدي السلفيون أيّ حساسية من قبول المقولات الفقهية لمالك لأنّها تعتبر في رأيهم اجتهادات، والأصل في الاجتهاد احتمال الخطأ والصواب. بل يحيلون إلى الجوانب العقدية وليس الفقهية عند الإمام التي هي سلفية حسب المسجوبين، دون اعتبار للمدرسة المالكية حيث "أخذ بالتقليد وانعدم الأخد بالدليل"، ويطلق المستجبون من هذه المعطيات لاتهام السياسية الدينية بعدم الوفاء لهذه المذهبية. وللإشارة فإنّ هذا الانتقاد يشترك فيه كل السلفيين والإسلاميين.

كما أنّ هناك الكثير من السلفيين المصنفين في خانة العلماء الذين لا تبلغ هذه الملاحظات عندهم مبلغ الانتقاد والاحتجاج العلني، بل يعملون على خدمة عقيدتهم من خلال ربط الاجتهادات المالكية بأصول الاعتقاد السلفي وهو الرجوع إلى الكتاب والسنّة حسب فهم السلف. وقد تمكّنوا بفعل هذه الاستراتيجية من الحفاظ على مواقعهم داخل المجالس العلمية والمجلس العلمي الأعلى، فرغم المحدّدات الصارمة التي أصبحت تحكم الولوج إلى عضويتها. تحدّد بروفيلات المنتمين إلى هذه البنيات، فقد تمكّن الدعاة السلفيون من إخفاء هويتهم الدينية مظهرين عدم انتمائهم لأيٍّ من التيارات الدينية العاملة في الساحة الدعوية، مستعينين في ذلك بشعبيتهم تارة ومكانتهم العلمية تارة وإشعاعهم الخارجي تارة أخرى وتعدّد المناصب هي التي جعلت منهم "سلفيين على مقاس إسلام الدولة"، لكنهم مع ذلك عبّروا ( ولا يزالون) عن سلفيتهم الحقيقية من خلال ما يقومون به كما وتظهر من خلال مداخلاتهم في بعض خطبهم ليوم الجمعة وبعض الكتابات والمقالات المعدودة على رؤوس الأصابع.

ومن الأنشطة البارزة التي تظهر الثقل العلمي لبعض هؤلاء الشيوخ وتمسّكهم المتفاني بعقائدهم الخاصة الدعوة التي تُوجّه لهم من العالم الإسلامي للمشاركة (ولو بصفة غير مباشرة) في عدّة مبادرات هدفت إلى الخدمة العلمية للمشروع السلفي وفي هذا الإطار، شارك في إعداد إطار عمل لمشروع صياغة المذهب المالكي برعاية وتمويل من دار البحوث الإسلامية وإحياء التراث الإماراتية، وقد هدف المشروع إلى توثيق المذهب المالكي مخدوماً بالدليل من الكتاب والسنّة وتأصيل القواعد المقاصدية، ونشره وذلك في مجلد كببر(معلمة الشيخ زايد) والذي يشكّل مرجعاً دينياً مهمّاً يخدم الدين الإسلامي الحنيف، ويوفّر مادة علمية ودينية موثّقة للباحثين والدارسين من عرب وأجانب ومهتمين بشؤون الفقه الإسلامي (موسوعة الفقه الإسلامي التي أشرف عليها احمد الريسوني).

وتتجلّى سلفية المشروع فيما تعتبره النخب السلفية أنّه خروج للاجتهادات الصادرة من شارحي المذهب والمجتهدين داخله عن نصوص الكتاب والسنة (المرشد المعين، الشيخ خليل..)، لذلك فإنّ من صميم الوفاء للنصوص ومفهوم السلف لها إعادة ربط تلك الاجتهادات بنصوص الكتاب وصحيح السُّنن وغضّ الطرف عما كان مخالفاً لذلك.

يتوضّح من كلِّ ذلك، درجة التفاوت الموجودة بين الخطاب الرسمي الذي شدّد على ضرورة "الالتزام بثوابث البلاد الدينية"، والممارسة السياسية التي يحكمها التوافق مع ما يوجد على الساحة المغربية من اتجاهات دينية متنوّعة ومنها التيارات السلفية. فرغم وضوح الأسس التي بُنيت عليها "السياسة الدينية الجديدة" فإنّها تحتوي، كما هو شأن كلّ سياسة، على جوانب غير مصرّح بها ، وأحيانا مصرّح بها بلغة دبلوماسية قد تخفي أكثر مما تظهر، فممّا أظهره تطبيق "الإستراتيجية تدبير الحقل الديني" إنّنا لا نعرف بوضوح مَنْ المكلّف بتطبيق الإصلاح في المجال الديني، فكما هو معروف يتمّ تقديم وزارة الأوقاف باعتبارها الجهة التي تتولّى صياغة السياسة الدينية وتطبيقها، في حين الوزارة المذكورة ليست في الحقيقة سوى مؤسّسة من بين مؤسّسات أخرى تشرف على ترجمة السياسة الدينية أو جزء منها، ومن خلال الإجراءات التي واكبت حدث 16 مايو، اتّضح جلياً أنّ السياسة الجديدة لتدبير الشأن الديني تركت هامشاً كبيراً لتدخّل وزارة الداخلية والأجهزة المخابراتية بمختلف أدرعها لضبط الحقل الديني وإحصاء أنفاسه، لتحقيق أهداف غير معبَّر عنها في الخطاب الرسمي، ولذلك نفهم لماذا بقي تدبير ملف الحركات السلفية المنتظمة في شكل جمعيات حِكْراً على هذه الأجهزة دون تدخّل من وزارة الأوقاف التي ترجع إليها تدبير ملف الجمعيات السلفية خصوصاً وأنها تنشط في مجال التعليم الديني التابع بطبيعته إلى وزارة الأوقاف .
باحث مغربي متخصص في الشأن الديني







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق